Al Jazirah NewsPaper Tuesday  29/07/2008 G Issue 13088
الثلاثاء 26 رجب 1429   العدد  13088

مسيرة
الحلقة الأولى
النعمي: خبر موتي وصل إلى جازان (1-2)

 

إشراف - محمد بن عبد العزيز الفيصل

حوار - إبراهيم بكري

الصقر الجريح الشاعر علي النعمي موسوعة تعيش بيننا يحتضن بداخله ذكريات زمن.. ليس من السهل أن تنقب داخل تاريخ من الثقافة والأدب والصحافة طيلة ثلاثة أشهر ونحن من مستشفى لمستشفى نحاول أن نرصد مسيرة (الصقر الجريح) وفي كل مرة نزوره بالمستشفى يحذرنا الأطباء من إطالة الحديث معه بحجة أن قلبه لا يحتمل أكثر من حديث ربع ساعة!!.. فوجدنا قلبه حقاً لا يحتمل لكن ليس من المرض بل من رحلة المعاناة وسنوات الألم، وهو اليوم يتأمل الساحة الأدبية والإعلامية بعد أن كان أحد أهم روادها.

(الجزيرة) من على السرير الأبيض تكشف مسيرة علي النعمي بكل تفاصيلها في الحلقة الأولى يتحدث عن معاناته في البحث عن مدرسة تستوعب أفكاره التي كان لا يتقبلها مجتمعه في ذلك الوقت.

النعمي في سطور..

- من مواليد عام 1356هـ جازان قرية حرجة ضمد

- ليسانس لغة عربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1389هـ، ودبلوم الإدارة المدرسية.

- عضو مؤسس بمجلس إدارة نادي جازان الأدبي.

- عمل بالتربية والتعليم حتى أُحيل على التقاعد في 1- 7-1416هـ، وتفرغ لأعماله الأدبية.

- يحمل الميدالية الذهبية، من مهرجان الشباب العربي، الثالث الذي أُقيم في العراق في العاصمة بغداد في تموز 1977م.

* قبل دخول التعليم النظامي لمنطقة جازان كنت أحد طلاب المعلامة كيف تصف تلك المرحلة الدراسية؟

- أتذكر شيئاً بسيطاً أنني كنت في معلامة حرجة ضمد على يد الشيخ يحيى بن عبده الحربي.. لقد ختمت القرآن الكريم وحفظت كشف الشبهات والأصول الثلاثة وكانت المعلامة تجسد منبراً هاماً للتعليم ومحو الأمية.

وقبل دخولي للمعلامة كنت أحفظ صور القرآن القصار يعود ذلك لأن والدي كان إماماً وخطيباً أرافقه وأستمع إليه ولقد اكتسبت من المعلامة حسن الخط.. ووسط حرصي على التعلُّم توفي والدي وأنا ابن عشر سنوات لأصارع الحياة وحدي يتيماً مع أمي التي كانت الأب والأم والصديق.

* دراستكم بمعهد صامطة العلمي تجربة كشفت ميلاد شاعر وتحرره عن قيم المجتمع السائدة هناك... حدثنا عن هذه التجربة؟

- ذهبت إلى معهد صامطة العلمي لإكمال دراستي عام 1374هـ وبسبب ظروفي المادية لم أستطع مواصلة الدراسة وعدت للبيت خصوصاً أن والدي حينها كان قد مات وفارق الحياة وبعد سنتين عدت للدراسة مرة أخرى بدعم أخوالي من الحوازمة الشريف علي بن أحمد القاصر والشريف ناصر بن أحمد القاصر عليهما رحمة الله وبقيت في معهد صامطة وحصلت على شهادة الابتدائية.

وأثناء المرحلة الثانوية مررت بظروف صعبة لوفاة مدير المعهد الشيخ العلامة حافظ بن أحمد الحكمي -رحمه الله- لأنه كان يتفهم ظروفي الخاصة.. كان أباً وأخاً ومعلماً وقائداً.. كان بيته ملاصقاً للمعهد.. كان إذا تنحنح لصلاة الفجر وهو ذاهب للوضوء يستيقظ الطلاب جميعهم ولا يصل المسجد إلا والطلاب جميعهم أمامه لصلاة الفجر.. كانت شخصيته تحمل الكثير والكثير.. كان مهاباً إذا تحدث ومهاباً في كل أحواله.. شخصية جمعت الكثير من الصفات الحميدة.. بعدها جاء مديراً أخوه الشيخ محمد بن أحمد الحكمي.. وكان يدرسنا مادة اللغة العربية الأستاذ عبد الحميد ضوء البيت سوداني الجنسية.. في حينها كنت أكتب موضوع الإنشاء شعراً ونثراً فكان يعطيني الدرجة كاملة مما جعل زملائي في الفصل يضجون واستمر التأزم بيني وبين زملائي في المعهد حتى وصلت إلى الصف الثالث الثانوي.. كان مدرس البلاغة من مصر اسمه فكري عيطة.. وفي يوم من الأيام ذهبت للمدرسة.. أخبرنا بأن لدينا اختباراً في العروض قلت له ليس لدي علم بذلك الامتحان فأصر على الاختبار أخذت ورقة وكتبت فيها:

ولست بعارف بحرا طويلا

ولا أرضا عرفت ولا غروبا

كانت قصيدة تزيد على عشرة أبيات وعند تصحيح ورقتي أعطاني الدرجة الكاملة.. وصل الأمر إلى مدير المعهد آنذاك الشيخ محمد بن أحمد الحكمي -رحمه الله- فاستدعى المدرس وسأله كيف تعطي هذا الطالب الدرجة الكاملة وهو لم يجب؟ رد المدرس: (ده بيبشر بميلاد شاعر أعطيه الدرجة أو أقطع زمارة رقبته) كرّر الشيخ وعلى أي أساس أُعطي الدرجة كاملة فرد الأستاذ بعصبية: (قلت قولي وأتحمل مسؤولية التقييم إذا لم يؤخذ بما وضعت فسوف أعود إلى بلادي) هنا تأزم الموقف وترك المعلم المصري المعهد وعاد إلى بلاده وقبلها نصحني بترك الدراسة بمعهد صامطة العلمي بحجة أنهم سيقتلون موهبتي الفكرية والأدبية.

وأثناء دراستي في معهد صامطة العلمي بدأت بداخلي مواهب تتفتح وكان في ذهني أفكار كبيرة ولم أجد إلا الرفض.. ومن الضغط الذي كنا نتعرض له أنهم كانوا يحرّمون علينا ركوب الدراجة ويحرّمون علينا إطالة الشعر ويحرّمون لبس السروال القصير ويحرّمون اللعب بالشوارع.. كان كل همهم هو أن يبقى طالب العلم مع الكتاب ليلاً ونهاراً وفي هذا ما فيه من كبت للحرية.

الأمير وجه بنقل المعهد والمفتي

وجه ببقائه وفتح آخر!!

* يبدو أنك كنت تجذف بقاربك عكس التيار ولم تتوقف بالرغم من تهديد معهد صامطة بفصلك لتتبنى فكرة نقل المعهد إلى مدينة جيزان الأكثر انفتاحاً حسب وصفك في معاهدة (عقيدة الزلالة) التي تجسد منحنى رئيساً في حياتكم الفكرية فهل حققت هذه المعاهدة ما تريدون؟

- بسبب التشدد لقد تبنيت نقل معهد صامطة إلى مدينة جيزان وحينها جمعت حولي مجموعة من الطلاب واجتمعت بهم في مكان قريب من الوادي يُسمى (عقيدة الزلالة) في معاهدة لن أنساها وذهبنا في الصباح إلى أمير جازان حينها المرحوم الأمير تركي السديري وألقيت أمامه خطاباً كبيراً يصف المعاناة.. وطالب بنقل معهد صامطة إلى مدينة جيزان وجاء الأمر بالموافقة بنقله.. لكن أهل صامطة بعثوا بخطاب آخر إلى المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- يطالبون ببقاء معهد صامطة.. وجاء الأمر ببقائه ويفتتح معهد آخر بمدينة جيزان.. ولقد قام معهد صامطة بفصلي أنا والطلاب الذين شكوناهم إلى أمير جازان وعدنا مرة أخرى بأمر من إدارة المعاهد والكليات وكانوا يسمونني بالمعهد (رأس الفتنة) و(الطاغوت السادس) و(الإصلاحي التافه) وغيرها من الأسماء.. وكان يعطونني في الاختبار نصف الدرجة 15 من 30 وبقية الدرجات تخصم بحجة سوء السلوك وبسبب هذا التشدد قررت الرحيل من معهد صامطة العلمي.

مجنونه اتهمتني بالنوم معها ولم يكشف كذبها إلا مجنون!!!

* معاناة السكن في العشش كسكن لطلاب معهد صامطة والحياة القاسية وأزمة المواصلات تحتل جزءاً من رحلة معاناتكم الدراسية كيف كانت هذه التجربة؟

- كنا نسكن في عشش صغيرة نبنيها بأنفسنا لا تتسع إلا لشخصين أو ثلاثة ونسكن في أحياء يسكن بها المغتربون اليمنيون وكثيراً ما تعرضنا إلى المشاكل أن فلاناً اعتدى على هذا.. وكان هذا الحي يوجد به مساحات فارغة لا ماء ولا كهرباء حياة قاسية لا يمكن وصفها.

ومن المواقف التي لا أنساها في هذا الحي كانت تسكن امرأة اسمها (موتة) في النهار مجنونة وفي الليل عاقلة كان شيطانها يجعلها في النهار لا تفكر في ثيابها وشكلها.. أما في الليل كانت تهتم بنفسها كثيراً.. وفي أحد الأيام فجأة كانت تركض بالشوارع صباحاً وهي تصيح بأعلى صوتها (علي النعمي حبيبي وهو ينام الليل معي).. الجميع حاول إسكاتها لكنها رفضت وجلست تصيح بأعلى صوتها وتكرر ما قالت.. كنت حينها أرتعش خوفاً من تهمة هذه المجنونة.. الجميع يعرف أنها كاذبة لكن هناك بالمعهد بعض الأشخاص وجدها فرصة للتخلص مني لأنني لم ألتزم بقيودهم الاجتماعية فأنا خالفت القاعدة وكنت حراً طليقاً أفعل ما أريد ولا أهتم بما يقولون.. المهم أن الغريب في الأمر أن من أنقذني من تهمة هذه المجنونة شخص مجنون أيضاً اسمه حسين محجب كانت تصيح المجنونة بتهمتها لي وهو يسير خلفها يردد (كذابة كذابة) موقف لا أنساه قالها ضاحكاً (أول حب في حياتي مجنونة يا زين حظي).. وفي اليوم الثاني كان كل من يقابلني يسألني عن قصة المجنونة ويضحك على هذا الموقف.

أما معاناة المواصلات فكنت أذهب من حرجة ضمد إلى أبي عريش على ظهر حمار.. مساء الأحد كنا ننام في المساجد وإذا حان الصباح نذهب بالسيارات مع المتسوقين إلى أحد المسارحة ثم ننتقل في سيارة أخرى لتنقلنا إلى صامطة كانت قيمة المشوار ربع ريال بس كان له قيمة في ذلك الوقت وكانت تصرف للطالب مكافأة شهرية قدرها عشرة ريالات كانت لا تكفي وتجرعنا المعاناة واستغل سوء ظروفنا بعض التجار ضعاف النفوس كانوا يعطوننا ملابس وغتراً ونرد قيمتها مضاعفة.

إشاعة وفاتي بالكوليرا انتشرت

بقريتي وأمي تحزن

* بعد رحيلكم من معهد صامطة العلمي إلى الحجاز وأثناء مروركم بقرية مستورة القريبة من المدينة المنورة أُصبتم بمرض (الكوليرا) المنتشر هناك في ذلك الوقت وذهبتم للعلاج بالمدينة المنورة.. في هذا الوقت راجت إشاعة وفاة علي النعمي حدثنا عن الموقف؟

- ذهبت إلى الحجاز ومنها إلى المدينة وفي منتصف الطريق بين المدينة المنورة وجدة تقع قرية مستورة وهناك كان مرض (الكوليرا) منتشراً ولقد أصبت بنوبات المرض وكنت أشاهد الأشياء معكوسة وعندما وصلت المدينة المنورة تدهورت حالتي الصحية فكنت أتبول على ملابسي دون أن أشعر وفي المستشفى أمام عيني كنت أشاهد ضحايا المرض فارقوا الحياة.. كان معي شخصان من منطقة جازان توفي الأول وغادر الآخر وانتشر خبر وفاة علي النعمي.. هذه الإشاعة كانت عام 1381هـ ووصلت الإشاعة إلى قريتي بجازان وكان يتسامع الناس هناك بوفاتي وكان لي خالان بضمد وذهب أحدهما إلى أمي وقال لها ولا كلمة حتى نتأكد من خبر الوفاة وجلست فترة في المستشفى ما يقارب الشهر والناس تعتقد أنني توفيت.. المهم خرجت من المستشفي وذهبت لأحد أقاربي فأعطاني مبلغاً من المال لكي أذهب إلى مكة المكرمة.. ولقد وجدت هناك شخص كان يعمل لدينا عاملاً ولقد طلبت منه إيصال رسالتي التي كتبتها لأمي بأنني في صحة وعافية وما زلت على قيد الحياة.

معهد الأحساء احتضن موهبتي وأسست التاج والضياء

* وجدت في معهد الأحساء العلمي الأرض الخصبة التي تحتضن مواهبكم الفكرية والأدبية كيف تقيّمون ذلك الدعم الأول؟

- من معهد الأحساء كانت انطلاقتي الأدبية والصحفية ولقد وجدت صدراً رحباً من الأستاذ سمير نجيب اللبدي الذي أُوكل إليه العمل الصحفي داخل المعهد وأصدرت صحيفتين (التاج) و(الضياء) وتوليت تحريرهما وفي حينها راسلت عبد الفتاح أبو مدين رئيس تحرير الرائد ورد لي برسالة - ضاعت عليه- كتب فيها رئيس تحرير صحيفتي التاج والضياء بتوقيع رئيس تحرير الرائد عبد الفتاح أبو مدين ولقد حققت الصحيفتان كل التطلعات والأهداف.

هذا الموقف الأصعب في حياتي وبسببه رحل الطبيب لبلاده

* أثناء رحلة دراستك بمعهد الأحساء العلمي قررت إدارة المعهد طي قيدك بحجة أنك مصاب بمرض مُعدٍ وتخشى انتشاره بين الطلاب لتصبح هاجساً مخيفاً يخشى أن يقترب منه أحد حتى فقدت أصدقاءك وعشت في صراع نفسي وبعد فترة تكشفت الحقائق أنك معافى ولست مريضاً... كيف عشت تلك اللحظات المؤلمة؟

- يُعتبر هذا الموقف من أصعب المواقف في حياتي الدراسية حيث إنه بعد انتقالي من معهد صامطة العلمي إلى معهد الأحساء العلمي أصبت بنوبة سعال حادة وتمَّ تحويلي من المعهد إلى مستشفى الهفوف العام وأُجريت كل الفحوصات وتمَّ إرسال تقرير من المستشفى إلى المعهد فإذا بالتقرير يُشكِّل لي صدمة كبيرة حيث أشار بمنحي إجازة طويلة لمدة 45 يوماً بسبب إصابتي بمرض (الدرن الرئوي).. وشكَّل هذا التقرير عقداً نفسية ودراسية واجتماعية.. وكان زملائي يتحاشون الجلوس معي والشرب والأكل معي بحجة أنني مصاب بمرض مُعدٍ.. كنت أعيش في عزلة وحيداً وسط ظروف نفسية معقدة.. بعد ذلك ذهبت إلى مدير المعهد الشيخ عبد الله إبراهيم الفنتوخ وطلبت منه تحويلي إلى الرياض للرئاسة العامة للمعاهد العلمية والكليات للتأكُّد من وضعي الصحي.. وكتب الخطاب وأرفق التقرير وذهبت إلى الرياض وتم تحويلي لمستشفى الشميسي من أجل إجراء الفحوصات المخبرية والإشعاعية والأشعة النظرية لأن القضية تتعلق بمصير ومستقبل طالب قيل عنه إنه مصاب بمرض (الدرن الرئوي) فهل هذا صحيح أم لا؟

وبعد فترة طلبت إدارة المستشفى مراجعتي لها.. وكان يشرف على التقارير الدكتور سعد رباح مدير المستشفى والدكتور القاعتي والدكتور البساطي وقال لي مدير مستشفى مبروك أنت سليم وليس مصاباً بالمرض ومن شدة فرحتي اصطدمت به ودخلت في نوبة بكاء فرحاً.. بعدها استلمت التقرير وعدت به للرئاسة العامة للمعاهد العلمية والكليات فتحمست الإدارة للوقوف معي وخاطبت وزارة الصحة بأن طبيباً بمستشفى الهفوف العام كاد يتسبب في إهلاك طالب بسبب تقرير خاطئ وبعدها علمت أن الطبيب تم فصله وترحيله إلى بلده.

بدايتي الشعرية متعثرة لكنها أغضبت الحكامية!!

* لكل شاعر بداية انطلق من خلالها إلى سماء الإبداع ليغرد لحن الطيور المهاجرة... هناك موقف حرَّك مشاعرك ليعلن أول يوم في رحلة الإبداع فما هو؟

- كانت بدايتي الشعرية بداية متعثرة تقيم الوزن ولا تحفل باللغة.. وأذكر فيما أذكر أنني أثناء دراستي بمعهد صامطة العلمي كنت ذاهباً إلى مدينة جيزان بوساطة سيارة حمراء اللون كانت تُسمى (فور بافور) وكانت في الطريق تتعثر بنا وأحياناً تسير وأحياناً تقف ووصلنا إلى مدينة المضايا وتوقفت السيارة متعطلة وبعد عودتي للمعهد أثناء حصة الإنشاء كتبت هذه القصيدة:

ركبنا مع السواق إذ كان ساقاً

بسيارة حمراء خاب الرجاء فيها

توقفنا حيناً وحيناً تجرنا

وإن هي جرتنا فبدأ الوهى فيها

فما هي إلا برهة أو أقلها

قد انقطع البنزين أسمى أمانيها

فأوصلنا مرسى المضايا

وقال قد وصلتم ورب البيت أرض الهنا فيها

ولا أذكر بقية القصيدة المهم أنها أغضبت زملائي من الحكامية فشكوني إلى مدير معهد صامطة الشيخ محمد بن أحمد الحكمي - رحمه الله- واستدعاني وعنّفني تعنيفاً شديد لما تناولته في القصيدة بشأن المضايا وأهلها الحكامية ومضت القصيدة مع الزمن لكنها البداية أرادت أن تُولد هكذا بموقف لن يُنسى.

عملي ب(الجزيرة) علمني مواقف الرجال الأوفياء

* تجربتك الصحفية الأولى داخل معهد الأحساء ساهمت في عشقك لهذه المهنة لتواصل الرحلة أثناء دراستك الجامعية بالرياض... حدثنا عن بداية عملك الصحفي بالرياض؟ ولماذا قررت الرحيل؟

- عند تخرجي من معهد الأحساء العلمي انتقلت لمواصلة دراستي الجامعية بالرياض وهناك زاد تعلقي بالعمل الصحفي وتم اختياري مع مجموعة منهم الأستاذ صالح المنيف وعلي الشهراني ومحمد آل الشيخ تم اختيارنا للعمل في صحيفة الدعوة التي كانت تصدر أسبوعياً أو يومياً مؤقتاً وانطلقنا منها برعاية وتوجيه الشيخ عبد الله بن إدريس وبقيت في الدعوة حتى سافر ابن إدريس إلى المغرب ثم ذهبت إلى أهلي في جازان إجازة لمدة شهر ثم عدت إلى الرياض لمباشرة عملي في صحيفة الدعوة فإذا بمدير التحرير محمد الجاسر يشعرني بأنه تم الاستغناء عني وطلب أن لا أسأله عن الأسباب وإنما بإمكاني الاستفسار من مدير عام المؤسسة عبد الله بن عبد العزيز المنعم وذهبت إليه وقلت له لماذا عزلت من عملي؟ قال بغضب استغنينا عنك ماذا تريد فقلت أريد راتب شهر فرد علي امسك الباب لا شهر ولا شهرين!!

ذهبت إلى مطابع الرياض والتقيت هناك بالصديق الوفي الشيخ فيصل الشهيل وبادرني بالقول سمعت بأنك تركت مجلة الدعوة قلت: بل طردت منها، قال الشهيل (الجزيرة) ترحب بك وكنت أكتب في ذلك الوقت عموداً تحت عنوان (بالمناسبة) و(حرف ومعنى) في جريدة الرياض وكنت أتقاضى عن كل مقال 25 ريالاً.

ولم تكن تجربتي مع (الجزيرة) طويلة، حيث بقيت شهرين تقريباً فإذا بأمر يعزل عبد الله نور رحمه الله من إدارة تحرير اليمامة وتعيين الأستاذ محمد الشدي الذي بحث عني إلى أن استدل على سكني قريباً من جامع المطار وكان عمري في ذلك الوقت 30 سنة.. سألني عن المقابل الذي أتقاضاه من (الجزيرة).. قلت ليس بيني وبينهم أي شروط.. قال: سنصرف لك 600 ريال.. عدت إلى الشيخ فيصل الشهيل وأخبرته بعرض اليمامة فقال: لا أضمن لك الاستمرار معهم أكثر من سنة فأخشى أن تطرد كما طردت من الدعوة لكن (الجزيرة) بيتك اليوم وغداً وبعد غد وإلى أن تموت وأنت حر).

هذه الرعاية والحب التي عشتها في صحيفة الجزيرة جعلتني في حيرة لتحديد مصيري الإعلامي وفي هذا الوقت اتصل عبد الله بن عدوان على الشهيل وطلب منه أن يسمح لي بالالتحاق باليمامة فوافق محرجاً وقال بالحرف الواحد: إذا طردوك فعد إلى (الجزيرة) وبالفعل عملت في اليمامة وكان العمل منكباً على رأسي (توظيف - تصحيح - صف حروف - ماكيت) حتى كلمة اليمامة والمقال السياسي وبسبب هذا المجهود الكبير الذي كنت أقوم به تم زيادة راتبي، حيث إنني كنت أحصل على 1000 ريال من اليمامة و350 ريالاً من مكتب البلاد كمحرر لها بالرياض ولن أنسى تلك الأيام الجميلة التي قضيتها مع أخي وصديقي ورفيق دربي مدير التحرير الأستاذ محمد الشدي وبقيت في اليمامة حتى تخرّجت عام 1389هـ من الجامعة وعدت إلى جازان بجانب أمي التي رفضت العيش بجانبي بالرياض وقررت الاستغناء عن حلمي وعشقي الصحافة من أجل العيش في أحضان أمي بقرية حرجة ضمد.

ولن أنسى طيلة حياتي موقف أستاذي فيصل الشهيل والدعم المستمر حتى الآن من رفيق الدرب الرجل الوفي صاحب القلب الأبيض الأخ محمد الشدي.

باعشن منحني فرصة التحليق كشاعر بجازان

* كل شاعر في بدايته يحلم بأن يجد فرصة لصعود المنصه لينثر إبداعه على المتلقي فمن أول من أتاح لكم فرصة التحليق؟

- كان الشيخ عبد العزيز المسند مدير عام المعاهد العلمية والكليات، لقد اقترح قيام المؤتمر الأول للمعاهد والكليات ومن حسن حظي أنه وقع اختياره على شخصي لإلقاء قصيدة شعرية أمام الحضور وذلك أثناء دراستي للجامعة بالرياض وهذه القصيدة التي أعتز بها لقد سلّمتها الزميل عبد المحسن العمران مدير تحرير صحيفة الرياض بصفته زميلاً لي في العمل الإعلامي وذلك من أجل نشرها ولكن لم تنشر القصيدة بالصحيفة ولم تعد إلي لتضيع هذه القصيدة.

أما في جازان مسقط رأسي فكانت بدايتي للوقوف أمام الناس كشاعر علي يد رائد الحركة الرياضية بمنطقة جازان مؤسس نادي التهامي الشيخ محمد سالم باعشن هذا الرجل الحكيم المخلص للوطن كان الرياضي الأول بجازان إلى جانب ذلك حسه الثقافي وإبداعه الفكري هذا الرجل لن أنسى وقفته معي في إتاحة الفرصة الأولى بجازان للمشاركة في أمسية شعرية بنادي التهامي وكانت أول نشاط ثقافي لي بمنطقة جازان وذلك عام 1392هـ وهذه الأمسية حضرها وكيل الإمارة في ذلك الوقت الأمير محمد بن تركي السديري وألقيت قصيدة غزلية وطلب مني شاعر الجنوب محمد السنوسي إعادتها مرة أخرى.

ومما يجب ذكره هنا أن هذا الرجل الشيخ محمد سالم باعشن يستحق أن تكون للمؤسسات الثقافية والرياضية مشاركة جادة في رصد سيرته وإنجازاته وحراكه الاجتماعي المؤثّر.

لن تنجح أي صحيفة إلا بدعم الإعلانات

* في إحدى مقالتكم بالزميلة اليمامة عام 1385هـ تحت عنوان (مشاكل صحفية) تطرقتم إلى فهم أهم طرفي صراع يتجاذبان صمود أي صحيفة، ويهددان بقاءها، المادة الجادة، والإعلان التجاري الممول للصحيفة، وأيهما يكون وجوده على حساب الآخر... فمن وجهة نظرك كيف ترى وضع الصحف السعودية اليوم فهل ما زالت صامدة؟

- الصحف السعودية الآن ليست صامدة فقط لكن شكّلت حضوراً متميزاً بعكس ما كانت عليه الصحافة أيام ما كنا نعمل، حيث كانت الصحافة محتاجة إلى الإعلان وكان الإعلان شحيحاً وكانت الموارد المالية ضعيفة وكان يوجد مواهب صحفية مميزة تصارع لصمود الصحيفة وكانت المكافأة حينها لا تزيد عن 50 ريالاً للمقال الواحد، أما الآن فلقد انتشرت الصحف وصار لها حضور إعلامي ومادي ويعود ذلك لزيادة الموارد المالية.

لم يعد النقد ميتاً، بل عاد للحياة بحيوية

* وليس غريباً أن تخرج بعض مقالاتكم فيما يشبه المرثيات الساخرة من الحالة التي وصل إليها النقد في تلك المرحلة (بداية التسعينيات الهجرية)، حيث لم يتردد النعمي في وصف النقد باللعبة أحياناً، والميت المشيع إلى مثواه الأخير فهل ما زال النقد ميتاً لا حراك له؟ ولماذا؟

- كان النقد متعثراً في بدايته وكان من فرسان النقد آنذاك الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين صاحب مجلة الرائد والذي تحول بعد ذلك رئيساً لنادي جدة الأدبي بعد الموافقة على افتتاح الأندية الأدبية.

والنقد الآن يسير بخطى متوازية نقد في الأدب ونقد في المسرح ونقد في الرواية ونقد في القصة ونقد في الجوانب الاجتماعية ولكل جانب من هذه الجوانب نقاده وكتّابه الآن الأدب حسب مفهومي بدأ يتفاعل مع الآداب الأخرى وبدأ يشكِّل واقعاً ملموساً يحسه القارئ، ولقد ظهرت أقلام جديدة لكتّاب جدد ليس على مستوى الصحافة داخل الوطن، بل خارج الوطن والنقد الآن يبشِّر بخير.

* ومن يلفت نظرك من النقاد الحاليين؟

يلفت نظري من النقاذ الحاليين عبد الفتاح أبو مدين والدكتور البازعي رئيس نادي الرياض الأدبي وكان الأستاذ علوي الصافي من النقاد المتميزين والأستاذ عبد الله الماجد وغيرهم مما لا تسعفني ذاكرتي بسردهم هنا.

مقررات الجامعة لم تكن ناضجة فثقفنا أنفسنا بأنفسنا!!

* أثناء جلوسكم على مقاعد الدراسة في كلية اللغة العربية (بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) كنت تنادي في أكثر من مقالة بتدريس منهج النقد الأدبي الحديث، والأدب المقارن، ولم تجد أي تجاوب من المسؤولين بالجامعة فماذا يعني لك عدم اهتمامهم؟

- كنت أطالب بذلك لأن مواد الدراسة محددة وكان مدرسوها ملتزمين بما فيها النقد حينها لم يكن له منهج واضح والدراسة في كلية اللغة العربية حينها لم تكن ناضجة من وجهة نظري وكنا نقرأ كتب النقد خارج الكلية وثقفنا أنفسنا بأنفسنا بعيداً عن المناهج الدراسية التي كانت تشبه دائرة مغلقة علينا بعيداً عن الآداب الأخرى، وفي مجال النقد حينها كانت كتب وكتابات وتحليلات العواد وعبد القدوس الأنصاري وحمد القاضي والشيخ العلاَّمة حمد الجاسر والأديب المفكر عبد الله بن خميس وعبد الله بن إدريس كانت لهم صولات وجولات في الأدب والنقد وكنا تلاميذ نقرأ حواراتهم ودراستهم ونستفيد منها بعيداً عن الفصول الدراسية وظل ذلك الاهتمام يلازمنا واحداً تلو الآخر ممن تعرّفت عليهم خلال دراستي بكلية اللغة العربية وظل تعلقنا بالأدب وبرجال الأدب والنقد وتعلقنا أيضاً بأصول النقد ومناحي النقد بعيداً عن الدراسة وتعقيداتها وبذلك استطعنا أن نخرج إلى الناس وأن نقرأ لهم وأن يقرءوا لنا، أما الجامعة فكنا نحرص حينها على أن تجعل منهجاً خاصاً بالنقد لكن فيما بعد تطورت وأصبحت لها أقسام واسعة وتخرّج منها جيل يحمل رسالة ليس في التعليم فقط، بل في الفكر والنقد والأدب.

لا أخشى التصنيف فأنا محب للوطن وقيادته

لا أدب حي لدينا ولا أدباء أصلاء!!!

* سأعود للماضي للتنقيب عن رأيك في الأدب السعودي لكم مقولة شهيرة في ذلك نصها: (قلت وما زلت أقول بعدم وجود أدب حي لدينا، أدب منفتح على عوالم أخرى.. عوالم رحبة وواسعة، وقلت بعدم وجود أدباء أصلاء في أدبهم ونتاجهم) اختتمت مقالك (... وأخيراً فما أحوج أدب هذه البلاد إلى ناقد بصير كشيخ أدباء لبنان الراحل (مارون عبود) فهل ما زلتم تتمسكون بهذا الرأي حتى الآن حول الأدب السعودي وهل ترى في الساحة ناقد بصير؟

- كانت فترة من فترات حياتنا في مطابع الرياض بالمرقب، حيث تطبع صحيفة الرياض ومجلة اليمامة وصحيفة الجزيرة ومجلة الدعوة كان المرقب حينها منتدى ومسرحاً يحتضن الكتّاب الصحفيين والأديب الناقد كان النقد حينها ينحصر في عبد القدوس الأنصاري وعبد الفتاح أبو مدين والشيخ حمد الجاسر وعبد الله بن خميس وعبد الله بن إدريس لكن لم يشكل مدرسة واضحة لنقد.

أما الآن إذا قرأت كتب الأدب التي صدرت تجد فيها تفاعلاً مع الحياة ولقد كان لقلم الدكتور أحمد عبد الله النعمي - رحمه الله - نظرات واسعة في الأدب وإن كان اختصاصه الأدب الأندلسي وما زالوا يصرون على تطوير هذا الأدب ولقد تطور الأدب الآن وأصبح له رجاله وأصبح له أنصاره وأستطاع أن يخرج من دائرته الضيقة إلى عوالم أخرى وهناك من النقاد الجيدون الدكتور سعد البازعي وتنباك والبشر وأسماء آخرين لا أستطيع ذكرها الآن والحياة عادت للأدب السعودي وهو الآن ينتشر انتشاراً واسعاً وقد أثبت حضوره في المحافل الدولية.

تتساقط دموع النعمي وهو يسرد ذكريات المرقب!!!

* تختزن بقلبك حباً كبيراً للمرقب فكيف ترى هذا المكان اليوم وهي يعيش على ذكرى أطلال الماضي؟

- المرقب الآن أطلال صمت قليلاً وجهش بالبكاء وهو يردد المرقب أطلال بصوت من الحزن يواصل علي النعمي حديثه عن المرقب قائلاً:

مررت عليه وبكيت فأين المرقب الذي كان يجمع حمد الجاسر وفيصل الشهيل وعمران العمران وعبد المحسن العمران وعبد الله السليمان وعبد الله بن خميس وعبد الله بن إدريس وعبد الله نور وسعد البواردي وعلي النعمي وعلي العمير وعلوي الصافي وراشد الراشد وخالد المالك وتركي السديري وكلهم ما زالوا يواصلون رسالتهم في الحياة.

(المرقب) في حينها حي من أحياء الرياض وكانت مطابع الرياض للشيخ الثنيان توجد بالمرقب وكانت جميع صحف المنطقة الوسطى في الثمانينات تطبع فيها ثم توسعت الصحف وخرجت من بيتها المرقب وظلت جميعها تواصل عملها الصحفي والفكري والأدبي بتطور مستمر.

كنا أسرة واحدة من يعمل في الصحافة ومن يعمل خارجها كنا نتقابل في مطابع الرياض بالمرقب في ملحمة أدبية وكان (المرقب) شعلة أضاءت سماء الرياض وتوزعت خارج الرياض.

ومما يجب ذكره أن من (مدرسة المرقب) تخرّج أدباء وكتّاب وشعراء وصحفيون أكفاء ومنهم تركي السديري وخالد المالك وراشد فهد الراشد وعبد الله السليمان، ولقد نسيت الكثير المهم أن المرقب كان الشعلة التي أضاءت سماء الفكر والثقافة والصحافة بالسعودية.

جائزة المرقب يجب أن تتبناها وزارة الثقافة والإعلام

* ما هي رسالتك لوزارة الثقافة والإعلام بشأن رواد المرقب؟

- أطالب وزارة الثقافة والإعلام بأن تقوم بتكريم الصحفيين والأدباء الذين كانوا يواصلون رحلة الكلمة والحرف وتحترق أصابعهم بنار الحرف في (المرقب)، وأتمنى من وزارة الثقافة والإعلام أن تعد ميداليات لتكريم الرواد باسم (المرقب) لتوزعها على كبار السن من الأدباء والمؤرخين والصحفيين منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ويمكن التعرّف على جميع رواد المرقب بالعودة إلى سجلات الصحف والمجلات الرياض والجزيرة واليمامة والدعوة لكي يتم تكريم الجميع فهم يستحقون ذلك ونتمنى أن ترى النور (جائزة المرقب) قريباً.

لا أعرف من المسؤول وراء كشف هوية الصحفي المتجول

* أثناء تنقيبي في أرشيفك الصحفي لفت نظري صفحة أسبوعية بمجلة الدعوة كنت تكتبها بعنوان (سوانح) بقلم (الصحفي المتجول) لكن بعد فترة من الزمن بتوجيهات من جهات عليا طلب من المجلة إظهار هوية هذا الصحفي المتجول.. من وجهة نظرك لماذا طلب إظهار الهوية؟ وماذا كانت تناقش هذه الصفحة؟

- نعم كنت أكتب صفحة أسبوعية في مجلة الدعوة بعنوان (سوانح) بتوقيع (الصحفي المتجول) ثم جاء الأمر بأن يظهر هذا الصحفي اسمه فكتبت بقلم علي النعمي، ولا أعلم من أين كانت هذه التوجيهات بإظهار شخصيتي الخفيّة ربما من المسؤلين بمجلة الدعوة أو من غيرهم من الجهات الرقابية وما زلت لا أعرف لماذا هذه التوجيهات؟! ربما لأن (الصحفي المتجول) كان يناقش مواضيع وقضايا حساسة وفي غاية الأهمية فلهذا طلب إظهار هويته حتى يكون أمام الحقيقة والمحاسبة.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد