Al Jazirah NewsPaper Tuesday  12/08/2008 G Issue 13102
الثلاثاء 11 شعبان 1429   العدد  13102
مسلسل مرطب للجفاف!
فهد الحوشاني

العثمانيون الأوائل غزوا البلاد العربية بخيلهم ورجلهم وآلاتهم الحربية واحتلوها لعدة قرون وما يزال لتأثيرهم الثقافي والمعماري شاهداً على هذا الغزو في كثير من الدول العربية!مؤخراً غزانا الأتراك لكن هذه المرة بالجَمال بفتح الجيم وبالرومانسية عبر مسلسل تلفزيوني أثار الكثير من الجدل حوله.

وحتى الآن لا أحد يعلم على وجه الدقة سر جاذبية المسلسلات التركية وإلى أي سبب يمكن أن نحيل هذا التأثير القوي لها، لكن التفسيرات الأولية تشير إلى أنه متخم بالرومانسية وهذا سر تأثيره القوي في مجتمعات تعاني من (الجفاف) العاطفي!!

المسلسل حرك في الرجال مشاعر دفينة ونبش في خيالات قديمة اقتربت من صورة لشريكة حياة افتراضية كانوا يحتفظون بصورتها في (ألبوم) خيالاتهم بالرغم من أن فتاة الأحلام تلك لا يمكن أن تكون مشت أقدامها يوماً ما على أرض الواقع! بينما النساء اللاتي يقبلن الرجال على علاتهم وقلة عنايتهم بأناقتهم وروائحهم خاصة مدمني السهر بالمقاهي والاستراحات، فلقد وجدن في بطل المسلسل وكلامه المعسول لزوجته ما تحتاجه الزوجة من البوح بمشاعر الزوج والمديح والثناء، والغواني كما قال أمير الشعراء: يغرهن الثناء.. بيوتنا جافة باردة حتى في عز الصيف فمن الطبيعي أن يحرك المشاعر فيها كلام شاعري ينطلق من فم وعيون وقلب زوج لزوجته مع أن ذلك الكلام المعسول والنظرات الحنونة تلك الصورة وبذلك الكم المكثف لا يحدث إلا في الأفلام والمسلسلات ولا يحدث أيضا حتى بين أبطال المسلسل إذا رجعوا لزوجاتهم وبيوتهم! لكن تلك اللعبة التي أتقنها الأتراك في مسلسلهم.

بيوتنا قليلاً ما يسمح فيها بنفاذ الرومانسية إليها، ومن أين لنا ذلك وفاقد الشيء لا يعطيه فحتى تعاملاتنا مع غيرنا لم يعلمنا أحد في مدارسنا أن نكون مهذبين مع الآخرين بالعكس نستلهم من مخزوننا الثقافي كيف نكون متجهمين خشنين وأن تكون عصا (العفريتة) و(العجرا) جاهزة تحت مرتبة السيارة لحل وجهات النظر المختلفة! التجهم والكلام المقتضب وأحيانا الخشن لدرجة جرح المشاعر مع الزوجات صفة وراثية نتناقلها في جيناتنا منذ زمن بعيد، ألم يقل أحد أجدادنا مادحاً أحد الخلفاء:

أنت كالتيس في قراعك الخطوب

وكالكلب في حفاظك على الود

وعندما أسكنه الخليفة في العراق وكان غير عراق الاحتلال والميلشيات وشركات الحماية مثل بلاك ووتر وغيرها بل كان عراقاً عربياً حراً يفتح أبوابه باتجاه الجزيرة العربية والشام ومصر أكثر من انفتاحه على حدوده الشرقية! جدنا عندما غادر بحفظ الله ورعايته وتوفيقه (شهابة) وغبار صحاري نجد وما جاورها وعاش بين الخضرة والماء والوجه الحسن! قال رحمه الله قصيدة مطلعها:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري..!

ولعله لا يدري سبب هذا التغير الجذري في أسلوبه الشعري وقدرته على التعبير عن مشاعره بهذه الرقة لكننا ندري!

لقد كشفت لنا هذه المسلسلات ما ينقص بيت الزوجية! فهل تقوم جهة ما بحملة توعوية لتعزيز الرومانسية في بيوتنا، وتقدم دروساً ودورات مكثفة للمتزوجين لرفع منسوب الرومانسية لديهم لكي لا يؤثر في حياتهم سلباً مسلسل عادي الأحداث (متجرأ) على القيم لكنه مشبع ببهارات الرومانسية!



alhoshanei@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد