Al Jazirah NewsPaper Monday  18/08/2008 G Issue 13108
الأثنين 17 شعبان 1429   العدد  13108
يارا
عبد الله بن بخيت

تأتيني في بعض الأحيان هواجس إبداعية أو هكذا أسميها لأنها في النهاية تأخذني إلى بعض الحقائق الغائبة عني أو أنها على الأقل تؤمن لي تفسيرا مريحا يحقق لفضولي بعض الاطمئنان، أنام عليها إلى أن أصل إلى الحقيقة الأصيلة والمبرهنة، وما يسعدني أن الحقائق التي أتوصل إليها عبر هواجسي الإبداعية تكون قريبة من الحقائق المبرهنة والمؤصلة بالمعرفة العلمية وبالتالي لا مانع أن أعرض هذه الهواجس قبل التحقق من دقتها ومطابقتها للواقع.

تطارحت مع أحد الأخوة العرب في جلسة خاطفة أسباب فشل دول العالم الثالث في تحقيق التنمية ونجاح ما يعرف بالدول الديموقراطية الصناعية، الرجل كان مقتنعا أن سبب تخلف الأمة يعود إلى الاستعمار وإذا ذكرته بأسباب داخلية لا علاقة لها بالاستعمار يوافقني ولكنه يعود ويرد هذه الأسباب مرة أخرى إلى الاستعمار، تعد نظرية الاستعمار الأقدم والأريح ويمكن تمريرها بسهولة بتعاون كل الأطراف حتى أن قيادات التخلف تحب أن تسمع هذا التفسير وتروج له، تركت الأخ العربي يكافح الاستعمار بمعرفته وحسب قدراته وقررت أن أتوصل إلى نظرية جديدة، بدأت في التفكير من قاع المشكلة من المستوى الذي ينز بالصديد، فكرت كثيرا وقلبت الأمر فلم أجد أفضل من الفساد نبدأ منه، فهو الطبقة السفلى من تراكم التخلف أو هو اللباد الذي يمنع التخلف من التحطم في حال الصدمات، بل يمكن أن يكون الفساد أوسع من الاستعمار، من السهل أن نبحث في التاريخ لنعرف أن الفساد جاء بالاستعمار وهو الذي يدهور الأمم ويذهب ريحها، كيف يفسر الفساد التخلف ونحن نعلم أن كثيرا من الدول المتقدمة والمنضبطة تعاني من الفساد، بين فترة وفترة نسمع أن الحكومية اليابانية تورطت في قضية فساد أو أن شركة أمريكية كبرى أغلقت بسبب الفساد أو أن تحقيقا موسعا يجرى في دولة اسكندنافية حول مشروع من المشروعات الملطوشة، تركت هذه الفكرة معلقة إلى أن زرت دولة عربية متدنية اقتصاديا يشقها طريق سريع يعتبر بكل المقاييس من أروع الطرق، أعلنت ساعاتها أن هذه الدولة ستقود الدول العربية إلى التقدم والسؤدد إلى أن جلست مع مواطن من مواطني تلك الدولة فعرفني بتاريخ وأسباب نشوء هذا الطريق وفشله في تحقيق أي تنمية فانكشفت لي نظرية الفساد في أفضل تجلياتها وفسر لي هذا الطريق الفرق بين الفساد في الدول المتقدمة والدول النامية، في الدول المتقدمة الفساد هو جزء من التنمية بينما في الدول المتخلفة التنمية هي جزء من الفساد، في الدول المتقدمة يبدأ المشروع بهدف التنمية، البلد في حاجة إلى مشروع طريق ثم تحدد الميزانية عندئذ يأتي الحبنتشية ولصوص الحكومة ويقتطعون عشرة أو عشرين في المائة من قيمة المشروع إلى جيوبهم، أما في الدول النامية فالمشروع يبدؤه الفاسدون ولا علاقة له بالتنمية ولكنهم في النهاية يتركون شيئا من المبلغ المتفق على لطشه لبناء طريق أو مبنى أو مستشفى للاحتفال والتمجيد، يصبح المشروع في الدول المتقدمة جزءاً من رفاهية البلد بينما ينتهي المشروع في الدول النامية إلى عاهة تسمح بتطور الفساد أكثر وأكثر، الفساد في الدول المتقدمة مرض بينما الفساد في الدول النامية مؤسسة.



yara.bakeet@gmail.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6406 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد