Al Jazirah NewsPaper Friday  12/09/2008 G Issue 13133
الجمعة 12 رمضان 1429   العدد  13133
شموس لا تغيب
د. أحمد بن صالح بن إبراهيم الطويان

يختلف الناس بقدرهم ومكانتهم بما يحملونه من علم وبصيرة، فالعلماء لهم السبق في المكانة والتقديم والتوقير، لما يحملونه من العلم النافع الذي ينير للأمة طريقها إلى ربها، هم ورثة الأنبياء وكفاهم بذلك فخراً وقدراً، بهم يقام الدين وتحمى الشريعة بهم نطق الكتاب وبه نطقوا. هم شموس لا تغيب أحياء غير أموات بعلمهم وأثرهم، فأثرهم لا ينقطع بالممات.

فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، موتهم ثلمة في الدين ونجم طمس ونقص في العلم وكسر لا يجبر قال كعب: (عليكم بالعلم قبل أن يذهب فإن ذهاب العلم موت أهله موت العالم نجم طمس موت العالم كسر لا يجبر وثلمة لا تسد بأبي وأمي العلماء قبلتي إذا لقيتهم وضالتي إذا لم ألقهم لا خير في الناس إلا بهم).

قال الآجري: (لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض وكيف اجتناب المحارم ولا كيف يعبد الله إلا ببقاء العلماء فإذا مات العلماء تحير الناس ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل فإنا لله وإنا إليه راجعون، مصيبة ما أعظمها على المسلمين).

فالعلماء لهم أثرهم في تعليم الناس وإرشادهم ودعوتهم والقضاء بينهم والفتوى وحل المشكلات ورد الفتن فهم قادة الأمة مع ولاة أمرها.

وقد أنعم الله على بلاد الحرمين ومهبط الوحي ومنبع الرسالة بعلماء ضربت لهم أكباد المطي وطارت سمعتهم في الآفاق وكتبت لهم الأسئلة من مشارق الأرض ومغاربها ووثق المسلمون بعلمهم وفقههم واعترفوا بفضلهم وتقدمهم بالعلم فأطبق أهل السنة على إمامتهم وأحبهم من في المشارق والمغارب مع ما اتصفوا به من الورع والزهد والتقلل من الدنيا والبعد عن مظاهرها وبذلهم أنفسهم للتعليم والفتيا ونفع الناس وقضاء حوائجهم رحم الله الأموات وبارك في الأحياء ومع توسع الناس وانفتاحهم على القنوات وشبكات المعلومات وظهور بعض المتعالمين ظهر من ينتقص العلماء ويزهد بما عندهم من العلم بأساليب مختلفة من انتقاص لشخصياتهم وآرائهم وإثارة خلافات يقصد منها إثارة الفتن مع جرأة على العلماء بألفاظ لا تقال لعامة المسلمين فضلاً عن علمائهم.

ومن أجل ألا تخرق السفينة ولا تلتبس الحقيقة أقول:

إن لعلماء هذا البلد الدور الرائد في نشر العلم وقيادة الأمة وتميز هذه البلاد بالتزام الحق والأخذ به والحكم بالشريعة الإسلامية.

وكان لولاة هذا البلد الدور الأكبر في الأخذ بأقوال أهل العلم والعمل به فلقد قامت هذه الدولة المباركة بنصرة التوحيد وأهل العلم فتبوأت المكانة العظمى بين المسلمين. ولا يوجد بلد من بلاد العالم يجل فيه أهل العلم مثل ما يجل قادة هذا البلد العلماء، فأجهزة الدولة بمختلف قطاعاتها فيها من أهل العلم ممن لهم الأثر في تقدم البلاد وتطورها ولا تزال الدولة تدعم وتؤيد نهج أهل العلم وتسير على تقديم أهل العلم.

وليعلم أن العلماء هم من أصدق الرعية لولاة الأمر يسدون لهم النصيحة ويبذلون الجهد في إجلال ولي الأمر وسد أبواب الفتن.

والواجب على كل مسلم أن يحفظ لسانه وقلمه من القدح في العلماء قال الحافظ الإمام ابن عساكر:

(اعلم يا أخي وفقك الله وإيانا، وهداك سبيل الخير وهدانا أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}لأن الوقيعة فيهم مرتع وخيم والاختلاف على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم)(1).

فرمي العلماء بالنقائص فتح لباب الزندقة وهو بلاء عريض وفتنة مضلة في تقليص الدين وتشتيت جماعته وزرع البغضاء بينهم وإسقاط حملته والقائم بهذه الفتنة مفتون مفارق لجماعة المسلمين فالحذر الحذر من الاغترار بأقوالهم وكتاباتهم لأنهم يريدون سلخ الناس عن دينهم وتوهين الدين وانتقاص الشريعة بانتقاص حملتها.

فمن للناس بعد علمائهم؟ من يفتيهم؟ من يعظهم ويرشدهم؟ من يقضي بينهم؟ من ينير بالعلم طريقهم؟ من يبين لهم معالم الحلال والحرام؟ من يوضح لهم العقيدة الصحيحة ومقاصد الشريعة؟. من يحفظ المجتمع من الفكر الضال والمنهج المنحرف.... إلا العلماء.

إنك لتعجب من أهل الكتاب الذين يجلون أحبارهم ورهبانهم مع ما هم عليه من الضلال، وأهل السنة يجترئون على انتقاص علمائهم بأساليب مبتذلة وألفاظ نابية واتهامات مغرضة تدل على جهل وحقد وبغض، ماذا يريد هؤلاء أن يكون العلماء أيريدون أن يقصى العلماء عن الرأي والمشورة وعن حياة الناس؟!! أيريدون أن يطفأ نور أهل العلم ليعيش الناس في ظلام الفتن؟.

والعلماء ليسوا بمعصومين، ولكنهم مجتهدون لا يحرمون أجر الاجتهاد، وما وقعوا فيه من خطأ بسبب اجتهادهم يغمر في بحار حسناتهم، وعلينا أن نبحث لهم عن المعاذير ونلتمس لهم ما يكون فيه إحسان الظن بهم قال شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله (وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة- المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً- يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته؛ دقيق ولا جليل. فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه)(2).

والواجب الكف عن تتبع أخطاء العلماء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل فإن الله تعالى عفا عن المؤمنين عما أخطؤوا كما قال تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}قال الله: قد فعلت. وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء وأمرنا أن لا نطيع مخلوقاً في معصية الخالق ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فنقول: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ).

وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور ونعظم أمره تعالى بالطاعة لله ورسوله ونرعى حقوق المسلمين لا سيما أهل العلم منهم كما أمر الله ورسوله ومن عدل عن هذه الطريقة فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فهو من الظالمين. ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان من اولياء الله المتقين).(3)

وإننا نحمد الله في دولة تحكم بالكتاب والسنة فالعلماء هم مرجعها وهم سندها بعد الله فلنكن يداً واحدة في وجه كل من أراد انتقاص أهل العلم ولمزهم لتحفظ لهم مكانتهم لنكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم القائل: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه).

1 - الزواجر عن اقتراف الكبائر - (ج1-ص 288)

2 - رفع الملام عن الأئمة الأعلام- (ص8)

3 - (مجموع الفتاوى) (32-239)



twoian@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد