اطلعت على موضوع كتبه الأستاذ سلمان العُمري في رياض الفكر في جريدة (الجزيرة) يوم الجمعة الموافق 19-9-1429هـ، حول أحوال بعض المصلين في لباسهم، والحقيقة أن الكاتب تعرض لظاهرة لا يكاد يخلو منها مسجد من مساجدنا العامرة الكثيرة.
فتجد من يأتي إلى المساجد بملابس المهنة أو ثياب البيت أو لباس النوم من غير مبالاة فيما هو فيه من العبادة.
ومنهم من يأتي بملابس مزركشة فيها من الرسوم والخطوط المتداخلة كأنك تنظر إلى صورة من صور البعد الثالث، ومنهم من يأتي بلباس الموضة (كما يقال) وفيها من الضيق وانكشاف ما يجب ستره من أسفل الظهر إلى غير ذلك. ولي مع هذه الظواهر في مساجدنا وقفات:
أولاً: المساجد بيوت الله أعدت للعبادة، أمر الله بعمارتها وأثنى الله على أهلها، هي أحب البقاع إلى الله تعالى، وعلى هذا فصيانة هذه المساجد من الأدناس وتنظيفها وتطييبها طاعة وقربة ولهذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى نخامة في جدار المسجد تغير وجهه، منكرا ذلك الفعل وآمرا بإزالتها. ومن عظيم فضل العناية بالمسجد أن جارية دخلت الجنة بسبب كنسها للمسجد، ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب) فهذا حق بيوت الله تعالى على عباده المؤمنين.
ثانياً: حسن المظهر وجميل الملبس، وطيب الرائحة مطالب إسلامية رغب الشارع فيها عند أداء الصلاة وعند حضور الجمع والجماعات {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي عند كل صلاة، والزينة تتعدى ستر العورة إلى لباس الجميل من الثياب، والتطيب، ولهذا فقد كان التطيب من أخلاقه صلى الله عليه وسلم بل هو أحد محبوباته الدنيوية ففي الحديث (حُبب إليّ من الدنيا، النساء والطيب، وجُعلت قُرة عيني في الصلاة) رواه أحمد وصححه الألباني وقد كان السلف الصالح يعتنون بالطيب ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال من أنفق ثلث ماله في البخور ما كان مسرفا، وكان سلمة رضي الله تعالى عنه ما كان من سلمة رضي الله عنه أنه إذا توضأ أخذ المسك فمسح به وجهه ويديه، وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يعرف بريح الطيب، وكان يعجبه إذا قام إلى الصلاة (الريح الطيبة، والثياب النقية)، أما عبدالله بن عباس رضي الله عنه فقد كان إذا خرج إلى المسجد عرف أهل الطريق أنه مر من طيب ريحه وشُرع السواك عند الصلاة لأنه مطهرة للفم ومرضاة للرب، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام من أكل ثوماً أو بصلا أن يقرب المسجد لأنه برائحته الكريهة يؤذي عباد الله ويذهب خشوعهم، ويؤذي الملائكة لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه البشر.
ثم أن الله تعالى جميل يحب الجمال ولبس الثياب الجميلة فطرة فطر الناس عليها كما ورد في الحديث (إن أحدنا يحب أن يكون نعله حسنا وثوبه حسنا فقال عليه الصلاة والسلام إن الله جميل يحب الجمال).
وقد امتن الله تعالى على الناس بأن أوجد لهم لباسا يسترون به عوراتهم، ويجملون به ظاهرهم كما في قوله تعالى {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوءاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (26) سورة الأعراف.
ثم أن هذا اللباس بجميع أصنافه وأشكاله من الزينة التي أخرجها الله وأباحها لعباده، ولقد أنكر سبحانه على من حرم شيئا منها دون برهان، أو تجاوز منها ما جاء به الشرع في شأنها من بيان، كما قال سبحانه في ذكره المصون: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (32) سورة الأعراف.
فأضاف سبحانه الزينة إليه امتناناً علينا بنعمته، وتنبيها لنا أن نتقيد فيها بأحكام شريعته، فلا نتحكم فيها بتحليل أو تحريم، أو نستعملها فيما يخالف الشرع الحكيم: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (229) سورة البقرة، وعلى هذا فليحذر المسلم من اللباس الضيق واللباس الملفت للنظر من الألبسة المزركشة التي ربما أشغلت بعض المصلين عن صلاتهم.
وعلى هذا فقد كان سلف الأمة يعتنون صغارهم وكبارهم يعتنون بلباسهم فلا ترى في سيرهم إلا كل حسن وجميل، وقد استمر هذا الأمر حتى خفقت بعض العقول، وتأثرت بعض النفوس بقبيح المنقول، مما قد شاهد ويسمع فغلب الجهل وقل الفهم، ونسي البعض حقيقة الأمر فتجد من الصغار من تأثر بالكبار فجاء إلى المسجد على أسوء حال في هيئته ورائحته.
بعض أصحاب المهن يحتج بصعوبة الأمر وأن ذلك شاق عليه أن يتحرز من الروائح أو بعض ما يلحق لباسه من أثر المهنة، وأقول الأمر يسير على من يسره الله عليه ومن علم حقيقة الصلاة وأنها مناجاة لله إنها عبادة لله تعالى واطراح بين يدي الله وعلى هذا فعلى العبد أن يكون بأحسن حال، وما عليه إلا أن يهيأ ثوباً للصلاة فإذا حان وقت الصلاة توضأ ولبس ثوبه وتوجه إلى مسجده.
فحري بنا أن نعود للهدي الإسلامي الأصيل الذي حث على الطهارة بجميع أشكالها.
خالد بن جريد العنزي - الحدود الشمالية