Al Jazirah NewsPaper Sunday  09/11/2008 G Issue 13191
الأحد 11 ذو القعدة 1429   العدد  13191

مفهوم الوطنية و(شركاء ضد الغلاء)
د. فهد العبري

 

لا تألو حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز جهداً في عمل كل ما من شأنه التخفيف عن كاهل المواطن في ظل هذا الارتفاع المجنون في أسعار السلع والخدمات. ويتمثل تعامل حكومة المملكة مع موجة الغلاء في الاهتمام بالطبقات الفقيرة في المجتمع من ناحية، وفي دعم السلع الاستهلاكية من ناحية أخرى، قلقد تبرع- رعاه الله- براتب إضافي لمستحقي الضمان، كما أمر بزيادة المعونة المقدمة للمعاقين بواقع مئة بالمئة.

ولقد شهد فندق الفيصلية بالرياض مؤخراً الحفل الختامي والتكريمي لحملة (شركاء ضد الغلاء) الذي رعاه صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبد العزيز رئيس هيئة البيعة. وقد جاءت كلمة سموه في هذا الحفل ضافية وصريحة. حيث بيّن سموه أن مواجهة ارتفاع الأسعار ليس مسؤولية الحكومة فقط، نعم الحكومة لها دورها الذي لاغنى عنه في مواجهة هذه الأزمة، لكن هذه الأزمة أزمة وطنية لابد أن يشارك في تخفيفها كل من يستطيع من أبناء هذا الوطن، وبذلك يقع الجزء الأكبر من المسؤولية على عاتق التجار والأثرياء، كما أوضح سموه. فالتاجر المورد لهذه السلع ولاسيما الغذائية منها يتوجب عليه العمل على تحقيق مصلحته بالتوازن مع مصلحة الوطن. تطبيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار).

وهنا يكون المحك لقياس مدى وطنية التاجر. فلقد تحدث سموه عن ضعف الوطنية لدى العديد من التجار الذين لا يفكرون إلا بأنفسهم دونما أي اعتبار للوطن. بل بلغ الأمر ببعض هؤلاء التجار إلى الهجرة بأموالهم خارج الوطن مما يعني تهربهم من مسؤوليتهم الوطنية.

حديث صاحب السمو الملكي رئيس هيئة البيعة عن الوطنية يقودنا إلى إلقاء الضوء على هذه القيمة الجميلة وكيفية تنميتها والمحافظة عليها لمافيه خير وطننا الغالي وحكومتنا الرشيدة ومن ثم خيرنا جميعاً.

المواطنة لا تعني بالضرورة حقيقة الانتماء إلى وطن ما ولكنها أبعد عمقاً من ذلك وهي أيضا لا تعني حب الانتماء إلى وطن ما فحسب بل المواطنة - في تصوري - تعني قيام علاقة بين كل فرد من أفراد المجتمع وبين الوطن الذي يعيش فيه. هذه العلاقة تكون ركيزتها تمتع هذا الفرد بحقوق معينة يكفلها له الوطن، وقيامه في ذات الوقت بواجبات معينة لخدمة هذا الوطن. وهذا يعني أن كلاً من المواطن والوطن لهما حقوق وعليهما واجبات.

إننا كشعب سعودي بحاجة إلى ثقافة مواطنة تمكننا من مواجهة التحديات والدفاع عن هذا الوطن الغالي. ومن أهم ركائز ثقافة المواطنة هو إدراك أن المواطنة فعل قبل أن تكون مسمى، فالتاجر القادر على المساهمة في تخفيف حدة الارتفاع في الأسعار عن بني وطنه لن يكون وطنياً يتفاعل مع قضايا وطنه إن لم يفعل ذلك. فكونه يحمل جنسية سعودية لا يعني أنه يمتلك ثقافة المواطنة، بل لابد ان يقدم ما يدل على ذلك. وأعتقد أن المساهمين في حملة (شركاء ضد الغلاء) قد ضربوا مثالاً حياً على ثقافة المواطنة والتفاعل الايجابي مع قضايا الوطن. هذا المثال يجب أن يحتذى من قبل التجار ورجال الأعمال.

ولكي يكون الإنسان - مواطناً صالحاً وفاعلاً في تنمية وطنه لا بد أن يشعر برابط من العلاقة الفردية تربطه بالوطن. بمعنى أن تكون لديه كينونة فردية مستقلة عن الكينونة الجماعية سواءً الإقليمية الجغرافية منها أو القبلية أو الوحدوية العضوية أو غيرها من التجمعات التي قد تؤدي إلى تجزئة الوطن وتحول دون انصهار جميع أبناء الوطن في بوتقة واحدة. وهذا تماماً هو الانقلاب الاجتماعي الذي أحدثه الإسلام في المجتمعات القديمة، حيث بعد ظهور الإسلام لم يعد هناك أهمية للكينونات الضيقة من جغرافية أو قبلية التي كان لها الثقل آنذاك ويتحرك فيها الناس في دوائر صغيرة معزولة غير قابلة للالتقاء أو التقاطع. ويكفينا قول الشاعر:

وما أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد

فالإسلام حتم على كل فرد في المجتمع أن يحس بعظيم المسؤولية تجاه المجتمع ككل ويبادر إلى الإصلاح، وأعتقد أن مساهمة التجار والأثرياء وأصحاب الشأن في التخفيف عن كاهل المواطن المسكين والتفاعل مع حكومتهم في هذا الشأن هو من باب الاصلاح الواجب عليهم، والأدلة على ذلك كثيرة حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته).

والوطنية كغيرها من الظواهر قابلة للتنمية، وهناك العديد من العوامل التي قد تؤدي إلى تنمية روح المواطنة لدى الأفراد، وسأجمل بعض هذه العوامل على النحو التالي:

الأول إحساس كل فرد في المجتمع بأن لوطنه عليه حقا، وعليه أن يؤدي هذا الحق طبقاً لعمله وقدراته. فمن الخطأ أن ينظر الإنسان إلى أنه صاحب حق على الوطن، وينسى الجانب الآخر من المعادلة وهو أن للوطن عليه حقا.

الثاني يجب على كل مواطن صالح أن يرى نفسه راكباً في سفينة الوطن وأن أي خرق في جدار هذه السفينة سيؤدي إلى غرقه هو أولاً قبل غرق السفينة، وكما قال- صلى الله عليه وسلم-: (إن هم أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً وإن هم تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً).

الثالث: تساوي جميع المواطنين أمام القانون، وهذا من شأنه يعمق الشعور بالوطنية، ونحن في هذا البلد المعطاء - ولله الحمد - ننعم بقضاء نزيه ومستقل يعرض فيه الجميع على مسطرة العدالة الربانية. وهذا ليس بمستغرب على بلد يطبق الشريعة الإسلامية حيث إن مبدأ العدالة الاجتماعية أحد أهم ركائز ديننا الحنيف، وإن لم تدع بعض المدنيات الحديثة إليه إلا توفراً مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م. ففي الإسلام أساس التمايز بين المواطنين هو التقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). والتقوى وبلا شك تشمل الحفاظ على الوطن، ومن هنا لم يعد في الإسلام دور للعرقيات أو الطبقات الاقتصادية كمحددات لمكانة الأفراد، فبلال الحبشي أفضل من أبي جهل. هذا كله قاد إلى إنهاء التمييز العنصري الذي كان قائماً آنذاك، فلم يكن الإسلام وهو الدين الرباني بحاجة إلى ثورة من نوع ثورة مارتن لوثر كنج لإلغاء التمييز العنصري بل نزل هذا الدين ومن أهم مبادئه المساواة.

ونحن كأبناء لهذا الوطن الغالي والحمد لله نتمتع بقضاء شرعي مستقل ونزيه وذلك جاءت مملكتنا الغالية ضمن الدول القلائل في العالم التي تقل فيها معدلات الجريمة، وهذا لا يمنع وجود سقطات هنا وهناك ولكن إذا أقررنا بأننا لسنا مجتمعاً ملائكياً بل بشرياً يعتريه الخطأ والنسيان وجدنا العذر للقائمين على نظامنا القضائي، وحسبنا في هؤلاء العلماء الأجلاء أنهم مجتهدون يهدفون إلى خدمة الوطن، فإن أصابوا فلهم أجران وإن لم يحالفهم الصواب فلهم أجر واحد.

الخامس: الاعتزاز بالهوية الوطنية، ومن مظاهر ذلك الفرحة باليوم الوطني وتهنئة المواطنين به وهذا لا يتعارض مع كون الإنسان ينتمي إلى دين عالمي كالإسلام. النبي- صلى الله عليه وسلم- عندما خرج من مكة نظر إليها وقال: (والله إنك لأحب بلاد الله إلي ولو لم يخرجوني لما خرجت) فالهوية الإسلامية - لكون الإسلام خاتم الأديان - تجاوزت حدود الزمان والمكان، فنحن نعتبر أنفسنا إخوة في الدين للمسلمين الذين عاشوا في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وإخوة لمن سيأتون من المسلمين حتى نهاية العالم (تجاوز الزمان)، كما أننا نعتبر أنفسنا إخوة للمسلمين في أي بقعة جغرافية في العالم (تجاوز حدود المكان). أما المواطنة فهي الانتماء إلى وطن في زمان معين ومكان معين، أما الأمر الثاني الذي يجعل التعارض بين هويتنا الوطنية كسعوديين وهويتنا الإسلامية أمراً مستحيلاً هو أن وطننا السعودي لا يطبق الشريعة الإسلامية فحسب، بل الأهم من ذلك أنه قلب العالم الإسلامي النابض.

السادس: نشر ثقافة المواطنة بين جميع أفراد الشعب على اختلاف فئاتهم العمرية ومستوياتهم الثقافية، فإذا علمنا بأن المواطنة عملية تراكمية تبدأ من سن الثالثة أو الرابعة، علمنا بأن الأسرة يقع عليها أول الواجبات لتنمية مثل هذا الشعور، فعن طريق حث الأطفال على الحفاظ على الممتلكات العامة والابتعاد عن ثقافة (هذا حلال دولة) التي نسمعها من بعض الآباء عندما يعبث أبناؤهم بالممتلكات العامة نستطيع أن نضع أول لبنة في مشروع مواطن صالح.

Alabri3@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد