Al Jazirah NewsPaper Sunday  09/11/2008 G Issue 13191
الأحد 11 ذو القعدة 1429   العدد  13191

صبراً آل شبرين
عبدالهادي بن مسعود العجمي

 

الحمد لله القائل:

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (سورة البقرة 154 - 157)، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (سورة العنكبوت 57).

تلقيت الخبر الفاجعة ببالغ الصبر بنبأ وفاة إحدى الصالحات القانتات نحسبها كذلك والله حسيبها وهي الأم الفاضلة هياء بنت ناصر بن جمعان زوجة الشيخ عبدالرحمن بن شبرين رحمهما الله تعالى وأسكنهما فسيح جناته.

امرأة ليست ككثير من النساء، عرفتها عن كثب لكثرة ما تذكرها والدتي حفظها الله من صلاحها وتعبدها وحسن معشرها.

صوامة قوامة راعية لحقوق أهلها محسن لتربية أبنائها، بارة بأقاربها واصلة لجيرانها.

عندما أتاني خبر وفاتها تذكرت قول المتنبي:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ

فَزِعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ

حتى إذا لم يدع لي صِدقهُ أملاً

شرِقتُ بالدمعِ حتى كادَ يشرقُ بي

فعزاء صادقاً يا آل شبرين ولأبي عبدالرحمن خاصة أقول:

إني معزيكَ لا أني على ثقةٍ..

من الخلود، ولكن سنة الدين

فما المعزي بباقٍ بعد صاحبه..

ولا المعُزى وإن عاشا إلى حين

وليست التعزية لكم وحدكم وإنما التعزية لأهل الحاير كافة في والدتهم وزوجة شيخهم الذي يضرب به المثل في التقوى والكرم وحسن الجوار، فجعل الله ثواب ما رُزئتم به لكم أجراً، وأعقبكم عليه صبرا، وخَتَم لكم ذلك بعافية تامة، ونعمة عامة، فثوابُ الله خير لكم منه، وما عند الله خير لها منكم، وأحق ما صُبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل.

وفي كتاب الله سلوة من فقد كل حبيب وإن لم تطب النفس عنه، وأنسٌ من كلِّ فقيد وإن عظمت اللوعة به إذ يقول عز وجل: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (سورة القصص 88) وحيث يقول: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.

والموت سبيل الماضين والعابرين، ومورد الخلائق أجمعين، وفي أنبياء الله وسالف أوليائه أفضل العبرة، وأحسن الأسوة، فهل أحد منهم إلا وقد أخذ من فجائع الدنيا بأجزل العطاء، ومن الصبر عليها باحتساب الأجر فيها بأوفر الأنصباء، وفجع نبينا عليه الصلاة والسلام بابنه إبراهيم، ورضي صلى الله عليه وسلم من فراقه بثواب الله بدلاً، ومن فقدانه عِوضاً، فشكر قضاه، واتبع رضاه، فقال صلى الله عليه وسلم: يحزن القلب وتدمع العين، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون.

وإذا تأمل ذو النظر ما هو مُشفٍ عليه من غير الدنيا، وانتصح نفسه وفِكره في غيرها بتنقل الأحوال، وتقارب الآجال، وانقطاع يسير هذه المدة، ذلت الدنيا عنده، وهانت المصائب عليه، وتسهلت الفجائع لديه، فأخذ للأمر أهبته، وأعدَّ للموت عدته، ومن صحِب الدنيا بحسن روية، ولا حظها بعين الحقيقة، كان على بصيرة من وشك زوالها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أكثروا من ذكر هادم اللذات.

غير أن التعويض من الأجر والمثوبة وحسن الصبر يُهوِّنان الرزية وإن ثقلت، ويُسهلان الخطب وإن عظُمت.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد