دون مقدمات طوقني بذراعيه وغمغم بكلمات متطقعة ثم اتجه إلى جارين آخرين وودعهما بحرارة متشابهة.
قلت وقد أذهلتني المفاجأة (إلى أين؟)
قال: إلى حيث تنمو الأشجار إلى أعلى.. ولوح بتذكرة طائرة في يده.. سار على الرصيف تتدلى من يده حقيبة واحدة.. ورافقته عيوننا حتى تلاشى.
كانت الطيور تهاجر إلى بلادنا في مواسمها.. ولا تزال.
ولكن أموراً جديدة لا نكاد نستوعبها كيف تأتيك أخبار الأحداث من كل أنحاء العالم ساعة حدوثها وكيف يسافر هؤلاء الأصدقاء في كل اتجاه مثل غزلان فقدت دليلها!
في الصباحات التالية بدأنا نشعر بالخواء.. من يحمل إلينا بعد سفره أخبار العمل وخيبات السوق والهزائم المتتالية؟
من بعده يسألنا سؤاله التقليدي المحبب (رأيكم يا شباب) صرت كلما وقعت جريدة في يدي أقلبها لأتفرج على الصور فيها وأردد (الله يذكرك بالخير يا فؤاد).
أصبح باب مكتبه لوحة خرساء تصدم عيوننا في الصبح والمساء وتثير فينا الملل والحزن معاً، ولكنها تذكرنا بتعليقاته اللاذعة.
لم أفاجأ عندما حمل إلي البريد رسالته الأولى..
قرأتها مرتين وأصبح يحلو لي أن أقرأ رسالته على الجيران وأسمع تعليقاتهم وطرائفهم.
كانت رسائله في الحقيقة بلسماً يختصر الزمن ويجدد الشباب.
يقول في رسائله: هذه البلاد تسرق بني آدم مثل شبكة الصياد.. وقد يغرق في المال والنسيان.
وفوجئنا برسالة منه يحدد فيها موعد عودته..
في المطار كنت مع الذين ذهبوا لاستقباله.. هبط سلم الطائرة بسرعة.. وعندما لامست قدمه الأرض ركع على ركبتيه.
ذهبت إليه في مكتبه أقدم له التهاني بعودته.. وحملت إليه العدد الأخير من الجريدة مع فانوس صغير كان قد تركه عندي ويعتبره أجمل التحف التي يملكها. وتناول الفانوس ثم نظر في الجريدة وقال: حتى هذه تحتفظ لي بها؟