Al Jazirah NewsPaper Friday  16/01/2009 G Issue 13259
الجمعة 19 محرم 1430   العدد  13259
الدم أفصحُ شاهداً.. والحربُ لم تعُد فنًّا يا إسرائيل
عبدالله بن ثاني

 

مهما اختلفت الرؤى مع حركة حماس ومهما كانت (الشرهة) على قادتها فسيبقى الشعور الإسلامي مسيطراً على حواسنا تجاههم رغم أنف الاختلاف، فالمسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه، فالأطفال أطفالنا والنساء أمهاتنا والشيوخ آباؤنا والأرض أرضنا والعرض عرضنا وليس كثيرا ما تقدمه الأمة لهم معنوياً ومادياً ودبلوماسياً لرفع البلاء وتخفيف المصيبة ووقف العدوان والاستباحة بتفعيل مبادرات السلام مع إسرائيل ومبادرات المصالحة بين فتح وحماس.. ولذلك فرحنا حينما أعلن رئيس حكومة تسيير الأعمال الفلسطينية سلام فياض استعداد السلطة الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد لقضية فلسطين حسب ما أكدته قرارات مؤتمر القمة العربية منذ مؤتمر الاسكندرية عام 1964 ثم مؤتمر الجزائر عام 1973 ومؤتمر الرباط عام 1974 للدخول في شراكة مع حركة (حماس) في كل شيء، إنقاذاً للمشروع الوطني في إنهاء الاحتلال، وحفاظاً على حقوق شعب فلسطين المشروعة وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس على حدود عام 1967 (نعم الزمن زمن شرفاء العرب وشرفاء إسرائيل على السواء، ولذلك لا نملك نحن المسلمين إلا أن نحترم مثالين على درجة عالية من أنموذج الإنسانية الأمثل، أحدهما جندي إسرائيلي رفض الدخول إلى غزة وتمت محاكمته عسكريا كما رفض جنود آخرين من قبله المشاركة في حروب الاعتداء على الإنسانية واحتلال تراب الآخرين، والآخر يهودي يحرق أوراقه التي تربطه بدولة إسرائيل في لندن على مرأى من الفضائيات احتجاجا على وحشية الانتقام وسياسة الإبادة في غزة، وبكل أمانة وموضوعية لا يجد أي إنسان حرجاً من التعايش معها على أي أرض وتحت أي سماء في زمن أصبح الدم أفصح شاهدا على تخلف البشرية والحرب في القرن الحادي والعشرين لم تعد فنا كما كانت عند الشعوب المتمدنة في جاهليتها قبل ألقي سنة، وبخاصة في ظل الآلة العسكرية الوحشية ونظريات الإبادة التي غيبت الإنسانية وفروسية الفارس الحجري النبيل، الذي يتجنب قتل الأطفال والنساء والشيوخ وقبل ذلك يحرص على تحقيق مبادئ الفضيلة التي تمنع سفك مزيد من الدماء على أرض المعركة كالمنع والأسر والفداء، وليت العسكرتاريا الإسرائيلية تعلمت في أبجدياتها مبادئ كتاب فن الحرب لمؤلف بدائي من العصور الحجرية للتاريخ.. وأدركت السر في حرص قيادة القوات الأمريكية أثناء ذهابها لتحرير الكويت على أن يحمل كل جندي أمريكي نسخة من كتاب فن الحرب، ووقفت على سبب فتنة اليابانيين القدماء في بناء جيشهم على مبادئه حيث عكف ثلاثة من عظماء الساموراي على دراسته وتطبيقه لتوحيد اليابان تحت راية واحدة، ووصلت إلى القيمة العسكرية في ثقة نابليون به حيث اتخذه خليل حكمه ورفيق حياته، إذ لا يكف عن قراءته حتى في غمار معاركه المحتدمة مرة إثر مرة، بل إنه أثر على فكر القادة الألمان في مرحلة النهضة والأعجب من كل ذلك أن الرئيس الأمريكي روزفلت قرأه أكثر من مائة مرة في غضون سنوات حكمه فقط، وبسبب أفكاره المعتقة أسرار التفوق الفيتنامي على أقوى الجيوش المعاصرة. ولم يقتصر الأمر على الحروب والمعارك بل تجاوز إلى الاقتصاد والتجارة بدليل أن الشركات اليابانية تعقد جلسات مطولة للتفكير والتأمل في النصائح التي حفل بها الكتاب، وأن الشركات الصينية تطبق مبادئ الكتاب في غزوها للأسواق الخارجية، وأن كوريا الجنوبية حين قابلت ضغطاً خارجياً عنيفاً من أجل تحرير سعر صرف عملتها وفتح أسواقها أمام التجارة الخارجية لجأت إلى فن الحرب لتطبق الإستراتيجيات التي حفل بها في معترك التجارة العالمية الحرة، فما قصة كتاب فن الحرب إذن؟

إن أول خروج له من منشأه في الصين كان إلى اليابان، ثم في عام 1772 تمت ترجمته إلى اللغة الفرنسية، وبعدها بقليل تمت ترجمته إلى الإنجليزية والألمانية، وذاع صيته في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى، التي أكد الخبراء العسكريون أن كثيرا من المذابح التي شابت الحرب العالمية الأولى كان يمكن تجنبها لو توافر مثل هذا الكتاب وقتها للقادة العسكريين والمخططين ومتخذي القرار، والمؤسف له ان زمن كتاب فن الحرب في القرن الخامس قبل الميلاد للعبقري العسكري الصيني سون - تزو، ولا شك انه واحد من أهم المخطوطات القديمة وأندرها في تاريخ العالم كله، وتعود الأهمية الفائقة لهذا الكتاب إلى بقاء معظم ما جاء فيه من مبادئ صالحا للتطبيق حتى يومنا هذا، رغم مرور أكثر من ألفي عام على كتابته، حينما كان البشر بدائيين، يسترون عوراتهم بأوراق الشجر بينما نحن اليوم الحروب التي تحصد أرواح البشر بلا مسوغ وعلى لا شيء في زمن مثخن بصراع الحضارات (أو ما يعرف أحياناً باسم صدام الحضارات) ونهايات التاريخ.. وما أفرزه العصر الحديث من محاكم للتفتيش وهولوكوست ومحارق للبشر ومقابر جماعية ثم اختصر كل أدوات الإبادة في حروب قصيرة الأجل بقودة تدميرية هائلة من خلال استخدام الأسلحة المحرمة دولياً تجاه الأطفال والشيوخ والنساء والبنية التحتية.. ويظهر الفرق بالمقارنة بين مفهوم الحرب والانتصار في كتاب الحرب لسون تزو من ألفي سنة حينما ينص على آدمية العدو وانسانيته والحرص على تجنب الهزيمة وتقليل وتفادي الخسائر في الأرواح والممتلكات بأكبر قدر ممكن وبين كتاب يحمل العنوان نفسه ألف بعده بألفي سنة تقريبا لكلاوسفتز (1833م) إذ يؤكد لنا ان الحرب فعل من أفعال ممارسة القوة هدفها اجبار العدو على الانصياع لإرادة المقاتل ولو بسفك مزيد من الدماء ويرى انه على المرء في الحرب أن لا يتراجع أمام أي شيء مهما بلغت كلفته الإنسانية أو الأخلاقية في ضوء الفكرة التقليدية التي تسعى إلى تحقيق النصر وحسب ولو كان على الطريقة الميكافيلية وغايتها التي تبرر الوسيلة.. والمؤلم ان (اليهود) المعتدين عانوا على مر تاريخهم من التشريد والتهجير والإبادة والهولوكست ولم ينعموا براحة البال والشعور بالإنسانية إلا في ظل الإسلام والمسلمين ومع ذلك يمارسون على اخواننا في فلسطين أشد التنكيل وأقسى التهجير وأعنف التطهير والإبادة في هولوكست لم يشهد له التاريخ مثلاً.. يقول يوسي ساريد، وهو ممن يسمون (حمائم) في (إسرائيل)، إن هنالك مستوطنة يستحيل تفكيكها، أنشأتها التوراة في دماغ كل يهودي، ويضيف (إن العالم الذي شكلته التوراة، والإنسان الذي كونته، هو الذي يؤلف القاعدة الفكرية في ذهن كل منا، ويحدد الكثير من معالم شخصيتنا، ويفعل فعله في نفوسنا وفي سلوكنا. لقد زرع الحاخامات السكين في أرواحنا، من دون أن يأبهوا لعدد الضحايا التي تسقط، وها هو ايهود باراك وزير الحرب (الإسرائيلي) الحالي يقول (كل منزل في غزة مستهدف، ولن يسلم منزل واحد من الدمار). وقبله تساءل شارون: (ماذا يعني سقوط مليون قتيل في الشرق الأوسط؟) في حين يصرخ الشاعر مجنون التراب محمود درويش فوق المنابر: (على هذه الأرض ما يستحق الحياة) ولكن حكاية الحياة في هذا الشرق الأدرد أشبه بروايات شهرزاد التي كانت تؤجل من خلالها الموت وهي تحكي لشهريار حتى صياح الديك في صباح غزة المملوء برائحة الموت، صباح يجمع الألم والحزن والجوع والتشرد من أطراف الدنيا ليخص بها إنساننا في واقع لا تحتاج نظرياته الفيزيائية إلى علماء من طراز لافوازية أو زاخاروف كي تثبت صحتها لأن التجارب يشهد اختزالها حضارياً العالم بأسره، وما أقسى أن يكون الدم الآدمي المسفوك عنصراً خاملاً في أقاصي الدنيا لا يتفاعل مع أي عنصر احتراما لقداسته وغير خامل، يتفاعل مع الهواء والماء والتراب امتهانا لكرامته في الجدول الدوري لشرقنا الأدرد الذي ضاق على أطراف الصراع حتى سجنها وسجننا معها في دائرة لا يتجاوز قطرها فوهة المسدس، والسجانون في مسرحية العبث يؤكدون التراجيديا وشخوصها التي لا تسمع نداءات الاستغاثة من هذا المستنقع وذاك العفن بتواطئ مع طحالبه الخضراء وفيروساته المقاومة للاسبرين وحبوب الأرق احتجاجا كونيا على لسان الغريب البير كامو حينما صرخ قبل خمسة وأربعين عاما: (يولد العبث من تصادم النداء الانساني مع صمت العالم) حتى أصبحنا ننتظر الأمل الذي لا يأتي وكأنه (جودو) في مسرحية صموئيل بيكيت بانتظار جودو.. صدقا ما زلت أجهل السر في تأخر إنقاذ أي شعب عربي يتعرض لكارثة شهوراً، وربما أعواماً، وما من مرة عقدت فيها القمة أثناء الكارثة وكأن السياسيين فنانون تشكيليون ينتظرون حرارة الصلصال أن تبرد قليلا كي يغرزوا أصابعهم فيه، والأدهى والأمر ان هناك متورمين يستغلون كل أزمة لإثبات أنهم أكبر حجماً من الآخر حتى أصبحنا مشغولين في كل مرة بكارثة تولد من رحم الكارثة الأم، يشتبك فيها ذوو القربى والدم ينزف من كل الخاصرات والقوم لا تجمعهم السراء ولا توحدهم الضراء.. في ظل صمت لم يفجر سكونه في هذه الأحداث إلا نعي البيت الأبيض في الرابع من الشهر الجاري القطة الأولى (انديا)، الخاصة بابنتي الرئيس الأمريكي جورج بوش، والتي رحلت، عن عمر يناهز 18 عاماً، بمقر إقامتها في البيت الأبيض. وقال البيت الأبيض في بيان ان الرئيس بوش وزوجته لورا وابنتيه باربرا وجينا يشعرون بحزن عميق لرحيل (انديا)، صدقا كان الله في عون أطفال غزة يا انديا.. والله من وراء القصد.



abnthani@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد