الكتاب: The Inheritance
المؤلف: David E. Sanger
الناشر: Crown Publishing
مؤلف هذا الكتاب دافيد سانجر من مراسلي البيت الأبيض الموثوق بهم في واشنطن، حيث يحظى بقبول لدى رؤساء الدول والوزراء وكبار المسؤولين. وفي كتابه هذا يسرد سانجر بعين مؤرخ ذي خبرة تفاصيل تاريخية مثيرة بأسلوب قصصي مشوق، ويصف التكاليف الباهظة للانحراف عن الصواب عند اتخاذ القرارات المهمة، والفرص التي أضاعتها الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً بسبب بعض السياسات الخاطئة، ما أدى إلى إرهاق كاهل الدولة والانهيار المالي، الذي أدى بدوره إلى إضعاف مكانة أمريكا، ووضع رئيسها الجديد وسط مجموعة من التحديات لم يسبق لها مثيل.
ويأخذ المؤلف القارئ في رحلة داخل البيت الأبيض ليكشف عن تدخل واشنطن في الأسرار النووية لإيران، ولجوء الرئيس بوش في العام الأخير للرئاسة إلى اتخاذ بعض القرارات السرية، مختلقاً لها أسباباً وهمية، في محاولة يائسة لتعطيل قنبلة إيرانية موقوتة، وتنفيذ رؤساء وكالة الاستخبارات بأمريكا رحلات سرية متكررة إلى باكستان في محاولات منهم للدخول في تحالف مع هذه الدولة التي تساعد العدو في نفس الوقت الذي تتلقى فيه البلايين من المعونات العسكرية الأمريكية.
ويواجه الرئيس الجديد للولايات المتحدة خيارات حرجة، منها الخيار بين التعايش مع القنبلة النووية الإيرانية أو مواجهتها، وضرورة إرسال قوات إلى أعماق باكستان في سبيل الوصول إلى أسلحة باكستان النووية، ما يجعله في سباق مع الزمن لمواجهة التطرف الإسلامي وتصفية أسلحة باكستان النووية.
ويأخذ الكتاب القارئ في رحلة إلى أفغانستان، حيث لم يفِ بوش بوعوده تجاه إعادة بناء الدولة، ما مهد الطريق لعودة طالبان، وإلى كوريا الشمالية، حيث نجح الكوريون في بناء أسلحة دمار شامل حقيقية في نفس الوقت الذي غزا فيه الأمريكيون العراق، كما نجحوا في بيع تقنيتهم النووية للشرق الأوسط بعملية لم يستطع جهاز الاستخبارات الأمريكية التعرف عليها، ما أكد أن بوش كان يتعقب مجرد أوهام في العراق. ويقول المؤلف إن الصين استفادت من حرب العراق، إذ استغلت السنوات الثماني الأخيرة لتوسيع سيطرتها في آسيا، والسيطرة على إمدادات النفط في أفريقيا، بينما غرقت أمريكا في حروب الشرق الأوسط. ولأن المؤلف عمل مراسلاً في آسيا فهو يدعو الإدارة الجديدة إلى بذل جهد مضاعف لتوطيد الصلة مع بكين في مجالي الطاقة والبيئة.
ويرى المؤلف أنه من النادر أن يتعرض رئيس دولة في أيامه الأولى في الحكم لما يتعرض له أوباما، وفي ذلك يقول (لقد تركتنا سياسة بوش في موقف لا نحسد عليه بين حلفائنا، ولا يخشانا فيه أعداؤنا، كما أننا أصبحنا أقل قدرة على إقناع بقية العالم من حولنا على أننا نموذج سياسي واجتماعي يستحق الاحتذاء).
ويعبر المؤلف عن استيائه وحيرته من مقاومة بوش للتغيير حتى آخر أيامه، باعتبار أن مثل هذا التغيير الإستراتيجي والتحول إلى المفاوضات من علامات الضعف. ويصف بوش بأنه يضع القوة العسكرية خلف الدبلوماسية في محاولة لكسب الحرب في أفغانستان، وإثناء كل من إيران وكوريا الشمالية عن التسلح النووي في نفس الوقت. ولا يسترسل الكتاب حول قضية العراق، بل يركز على تضييع بوش للفرص الثمينة، وانغماسه في قضايا الشرق الأوسط، بينما تنشط الصين لفرض سيطرتها على كل أنحاء العالم. وحول ذلك يشير المؤلف إلى نصيحة وجهتها كونداليزا رايس لبوش، قائلة له (أنا لا أعتقد أنك تستطيع اقتحام دولة إسلامية أخرى أثناء فترة رئاستك حتى مع توفر أفضل الأسباب).
وقد أدت الحرب على العراق إلى الحد من قدرة أمريكا على التعامل مع كل كوريا الشمالية وإيران. ففي عام 2003م، تجرأت كوريا الشمالية على طرد مفتشي الأسلحة الدوليين، ومضت في سبيل استكمال عدتها النووية، بينما انشغل بوش باقتحام العراق الخالي من الأسلحة النووية.
ويواصل المؤلف تحليله لتلك الأحداث قائلاً إنه عندما اتصل ماكنيل، قائد قوات الناتو في أفغانستان، بالبيت الأبيض في شتاء عام 2008م، طالباً فرقة أمريكية إضافية قوبل طلبه بالرفض، وبدلاً من ذلك توجهت وحدات القوات الخاصة وفرق القتال المجهزة وموظفو وكالة الاستخبارات الأمريكية إلى العراق.
ويكشف المؤلف عن حوار دار بينه وبين أحد كبار موظفي إدارة بوش، الذي قال له (نحن نعيش الآن في عالم أصبح محدود الموارد، بينما تتوفر تلك الموارد في العراق)، مضيفاً أن أي شخص يقول خلاف ذلك فإن ما يقوله لا يمكن أن يوصف إلا بأنه (دخان في الهواء). كذلك يكشف الكتاب عن حوارات دارت بين المؤلف وبين كل من بوش ورايس وروبرت جيتس وكولين باول ومشرف وغيرهم، كما يقدم تفاصيل مثيرة عن تغلغل وكالة الاستخبارات الأمريكية في شبكة التقنية النووية للقاعدة لتضييع فرص إيران في الحصول على التقنيات النووية.
ويشتمل الكتاب على فصل مثير يصف فيه المؤلف جهود باكستان التي لم تهدأ في سبيل المحافظة على أصولها الإسلامية، في نفس الوقت الذي حاولت فيه المحافظة على برنامجها النووي، الذي تطور بسرعة بدعم قدره مائة مليون دولار من المعونات الأمريكية السرية.
ويواصل المؤلف سرده في هذا الجانب، قائلاً إن كتابه هذا يشتمل على أمثلة عديدة للفرص الكثيرة التي فرطت فيها إدارة بوش. فهو يلوم بوش مثلاً لعدم استكشافه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لجدوى التحالف مع إيران ضد السنيين العرب المتطرفين، مشيراً إلى أنه في عام 2005م تمكنت إيران من تعزيز حصتها من اليورانيوم، مستغلة انشغال بوش بحرب العراق.
ويؤكد المؤلف بشكل قاطع أن القوات الأمريكية في أفغانستان قد تحتاج وقتاً طويلاً لكي تتهيأ لترك البلاد دون المخاطرة بعودة طالبان لموقع القوة. وحول ذلك يقول المؤلف إنه في يوليو 2007م أصدرت الاستخبارات الأمريكية تقريراً عن قدرات القاعدة داخل باكستان، أشارت فيه إلى أن القاعدة أعادت تنظيم سيطرتها، وأنها تخطط مرة أخرى لشن هجمات ضد الولايات المتحدة الأمريكية، مشيراً إلى أنه إن لم يحدث تغيير بهذا الشأن فإن إيران سوف تحصل على أسلحة نووية، ما يزيد من احتمال بدء البرامج النووية في مصر والمملكة العربية السعودية استجابة لذلك.
ويرى المؤلف أن بعض المشكلات التي واجهت بوش واجهت كذلك غيره من الرؤساء، ابتداءً من ليندون جونسون وحتى بيل كلينتون، الذي فشل في منع الصين وإسرائيل والهند وباكستان من الحصول على الأسلحة النووية. وعلى الرغم من بعض النقاط الإيجابية في عهد بوش، ومنها تعامله مع الصين بصبر وحكمة، ومساعدته في إدارة الحوارات السداسية كإطار يدعو للتفاؤل حول مستقبل الأمن الآسيوي، وزيادة التزام أمريكا بمحاربة الإيدز.
ويعتبر هذا الكتاب بمثابة اعتراض على قول بوش بأن التاريخ سيكون خير مبرر لموقفه من العراق وغيرها من المواقف.