الكتاب: Born to be Good
اسم المؤلف: Dacher Keltner الناشر: Norton، W.W. AND Co
يستخدم مؤلف هذا الكتاب الكثير من الأمثلة لتوضيح فكرة رئيسية مثيرة للاهتمام، وهي أن بعض الانفعالات، مثل الضحك والخجل والضيق والميل إلى الحب أو الكراهية وغيرها من الانفعالات، من الممكن تحليلها بطريقة علمية بترتيبها من حيث أهميتها لحياتنا. ولذلك فهو يهتم بتعريفنا بأهمية كل انفعال من هذه الانفعالات بالنسبة لنا باستخدام وسائل ذات صلة بالعلوم الاجتماعية والعصبية وعلم النفس السريري وغيرها. ويستهدف المؤلف من دراساته وتحليلاته للانفعالات النفسية إثبات أن الإنسان خلق ميالا للخير بطبيعته، وأن المشاعر التي تبدو غير سوية في ظاهرها، أو تنطوي على شيء من الشر، يمكن تحليلها اجتماعيا وعصبيا وسلوكيا بحيث نتوصل في النهاية إلى أن الإنسان مفطور على الخير.
وتختلف هذه النظرة الحديثة لطبيعة الإنسان عن الدارونية الاجتماعية وغيرها من النظريات التي ساهمت على مدى قرن أو أكثر في تشكيل صورة للإنسان بأنه أناني وشرير بطبيعته. هذه الصورة السلبية المتشائمة التي رسمت لطبيعة الإنسان منذ القدم لا يقرها مؤلف هذا الكتاب، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، الذي يستخدم الأسس العلمية في التحليل، ويستعين بخبرته الشخصية في هذا المجال لكي يتوصل في كتابه هذا إلى أن الإنسان ميال للخير والتعاطف بطبيعته. وتعد نتائجه مفاجأة غير متوقعة لأنصار الاتجاه المغاير، بينما هي بالنسبة للبعض الآخر مجرد إثبات لأمر واقع نعلمه جميعا.
ولكي يثبت وجهة نظره يغوص المؤلف في الغموض الذي يكتنف فكرة نشوء وتطور الإنسان، ومن ثم يطرح تساؤلات مثل: لماذا نشأت فينا بعض المشاعر الإيجابية مثل العرفان بالجميل والخشية من الله والعطف وغيرها من المشاعر التي تعزز الجانب الأخلاقي في النفس البشرية وتسهم في تكوين المجتمع المتعاون؟ ويمزج المؤلف قصص الاكتشافات العلمية والسير الذاتية بفلسفته الخاصة، ويدعم شروحه بالصور المعبرة عن الانفعالات الإنسانية، ولذا يعد كتابه هذا بمثابة دراسة متعمقة لإثبات أن الطريق إلى السعادة يسير عبر المشاعر الإنسانية التي تربط الناس بعضها ببعض.
ويوحي غلاف الكتاب ذو اللون الأصفر الزاهي بيوم مليء بالانفعالات، بالإضافة إلى أن المؤلف في صورته على الجانب الآخر من الغلاف يرسم على وجهه ابتسامة ذات تعبير خاص يقصد به توصيل مشاعر معينة تتناسب مع وجهة نظره في توصيل المشاعر عن طريق ملامح الوجه، بدل اختيار صورة جيدة لنفسه لتعرض على غلاف كتابه. ويحاول المؤلف دراسة الوظائف الاجتماعية للتعبير عن المشاعر، مركزا بصورة أكبر على بعض المشاعر الإنسانية التي أهملت إلى حد ما ولم يتم استكشافها بعد. وقد تتلمذ المؤلف على يد العالم السلوكي بول إيكمان، الذي طور في السبعينيات نظاما لقراءة حركات عضلات الوجه وتحديد ما تعنيه هذه الحركات بالضبط.
وهذا النهج الذي اتبعه المؤلف في كتابه ربما سبقه إليه دارون عندما وصف التعبيرات الانفعالية في الإنسان وغيره من الكائنات، وربط هرش الرأس ودعك العين مثلا بمشاعر الحيرة والارتباك، ورغم ذلك فإن هذه الدراسات الدارونية لم تحظ بالكثير من الاهتمام، كما أن مؤلف هذا الكتاب أضاف تفسيرات للعديد من الانفعالات الإنسانية. ويرى منتقدو الكتاب أن أكبر مشكلة واجهت المؤلف هي إيراد القرائن الكافية على ما يقول. فهو عندما يريد توضيح أن اللمس مثلا وسيلة فسيولوجية تشجع السلوك التعاوني، أو أن الشعور بالإحباط وسيلة للتخلص من النزاع، يكتفي بهذا الذي يورده، راضيا بذلك تمام الرضا. وعندما يناقش فكرة أن الفهم الأفضل لتلك الانفعالات المتبادلة هي السبيل إلى حياة مرضية لا يربط المؤلف السلوكيات المدمرة والخطرة بحالات السعادة. وعلى الرغم من ذلك يربط المؤلف أفكاره بالنظريات التي أقرها من سبقه من العلماء، كما أن قراء الكتاب ليسوا في حاجة كبيرة إلى من يقنعهم بأن الحياة المثمرة للإنسان هي أكبر مكافأة يقدمها له الكتاب.
وتمتلئ صفحات الكتاب بصور أناس رسموا على وجوههم أنواعا مختلفة من الابتسامات للتعبير عن الرضا، بالإضافة إلى تعبيرات توحي بانفعالات أخرى عديدة. كذلك يورد المؤلف العديد من القصص النادرة لدعم أفكاره، منها قصة بسيطة عن مشاعر التحدي والغضب التي قرأها في عيني ابنته عندما طلب منها ترك مكان اللعب، وغيرها من القصص البسيطة التي توضح آراءه.
ويقول المؤلف إنه على استعداد لتقديم خبراته وتجاربه، سواء تجاربه الجادة أو المثيرة للضحك، لإثراء البحث العلمي في حال تطوير فرع جديد من العلم خاص بعلم الانفعال. وفي تناوله للأمور الجادة يحلل المؤلف مشاعر الوجه المختلفة، ويحاول تطبيق نتائج دراساته على الكثير من الناس ليثبت أيهم أكثر رضا عن حياته. وقد واجه المؤلف الكثير من التحديات والصعوبات في محاولته إثبات وجهة نظره، منها الإجابة على بعض الأسئلة المهمة مثل: كيف يمكن تحليل حركة سريعة مثل ضحكة الإنسان من خلال استعراض الصور الثابتة؟ هل تعامل السيدات ذوات الابتسامة الدافئة من ناحية المحيطين بهم معاملة أفضل من النساء ذوات الملامح الجامدة؟ كيف يمكن التفرقة بين الجمال ومشاعر الطيبة والعطف؟ هل الابتسامة مقياس لرغبة من يبتسم في إسعاد من حوله أكثر من كونها معبرة عن الرضا والقناعة الداخلية؟ ولذلك فقد قطع المؤلف شوطا طويلا لكي يصل إلى استنتاج مفاده أن الابتسامة الصادقة المخلصة، بصرف النظر عن رد فعل الآخرين، والتعاون والثقة والود، من أقوى الوسائل التي تعزز حياتنا للأفضل. ويلاحظ أن مؤلف هذا الكتاب، يحاول استحضار العديد من النظريات، مثل نظريات دارون ووليم جيمس وجون باولبي وغيرهم من العلماء، من أجل وضع الأسس لعلم جديد هو علم الانفعال بالاستعانة بنظرية علمية قديمة لبعض الفلاسفة الصينيين تصف رضا الإنسان عند استحضاره أعمال الصلاح والخير، سواء لنفسه أو للآخرين. ومن هذا المنطلق يؤكد المؤلف أن المشاعر الإنسانية، مثل الرحمة والثقة والحب والورع وغيرها، مشاعر متأصلة في النفس الإنسانية في الثقافات المختلفة، ذلك أن الإنسان معرض بطبعه للوقوع في المشاكل، ما يجعل من التعاون والتكاتف الاجتماعي أمرا ضروريا. هذا بالطبع في حالة الإنسان الطبيعي الذي يفكر بشكل سوي، بخلاف الإنسان السيكوباتي (الأناني)، الذي يعاني من مشكلات سلوكية. ولذلك كله يعد هذا الكتاب مقدمة لعلم الانفعال وصلته بالأخلاقيات والقضايا الإنسانية الكونية.