خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أدام الله توفيقاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
الباعث لهذه الرسالة التي فاضت بها المشاعر، وانطلق بها القلم، وترجمها القلب سطوراً مضيئة بحبكم العميق: إنما هي تعبير عن أحاسيس مواطنيكم التي تحتشد خلالها عواطف صادقة، ودعوات مخلصة لمحاولة الإعراب عما تفيض به هذه المشاعر من مخزون المودة، وما تنطق به العواطف من خالص الولاء لقائد نهضة هذا الوطن الإصلاحية المرموقة، والملوسة على نطاق واسع لهذا الوطن الممتد الأرجاء العديد المناطق.
***
جاءت هذه الكلمات التي أرجو أن ترتقي إلى مستوى التعبير الصادق عما تجيش به مشاعر شعبكم الوفي من حب وولاء.. أيها الزعيم الإسلامي العربي الكبير: لقد فرضت وجودك المتسامي وإحساسك المتألق على الساحة العامة بكل أطيافها وتنوعاتها: الإسلامية والعربية والعالمية، ومن هذا المنظور فقد توطد حبك في قلوب شعبك الوفي لك محبة وإخلاصاً - فأنت رعاك الله - رمز مضيء في وجدان الشعب، وصورة متألقة في رؤية المواطنين لمليكهم الذي يلمسون رعايته لهم وروعة سيرته المثالية معهم، ولقد ترددت أصداء مواقفك المشرفة على مشهد من العالم المعاصر بكل قاراته وعلى مختلف توجهاته: ذلك أنك يا خادم الحرمين الشريفين رمز للمجد الأصيل ومصدر للخير العميم.. تمتاز بصراحتك الواثقة، ومواقفك الشامخة، ورؤيتك الواضحة، وشجاعتك الرائعة، فأنت حصن متين لحمى الإسلام، ورمز شامخ لكيان العروبة.
وإذا كان من حق شعبك أن يفتخر بك وأن يعتز بإنجازاتك، وهو يرى آماله تتحقق بتوجيهاتك: فإن كثيراً من العرب والمسلمين يزاحموننا في حبك وتقديرك وإكبارك، ولذا فإنها تتجه أنظارهم نحوك وتلتقي آراؤهم عندك. حينما تلم بالعرب مشكلة، أو تحدث للمسلمين ملمة: ذلك أن زعيمنا وقائدنا ورائد نهضتنا مليكنا المفدى هو الملاذ والملجأ في الملمات والمهمات، وهو الذي تحل على يديه المصاعب وتنهى بحكمته المشكلات، فأنت تسكن القلوب وتحيا في أعماق النفوس، ويتجسد في ذاتك الكريمة القلب الرحيم والشعور الفياض بأحاسيس إنسانية تتسع لأفراد شعبك المحب لك، وتفيض على من سواهم من الأمة العربية، وتمتد لتشمل الأمة الإسلامية: فأنت خادم الحرمين الشريفين، وهذه صفة لا يتصف بها أحد سواك، ولا يمكن أن يتسمى بها إلا من تشرف بخدمة الحرمين الشريفين: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).
***
أيها المليك المفدى: تفديك المهج والأرواح، وإن الأكف المؤمنة كلها مرفوعة من شعبك بالدعاء أن يمد الله في عمركم وأن يمتعكم بدوام الصحة. ويعينكم على ما تحملتم من أعباء المسؤوليات الكبرى التي أنتم أهل لها، وقد قمتم بتحمل هذه المسؤولية الكبيرة المهمة على أوفى وجه وأكمل أداء. أعانكم الله وسدد على طريق الخير خطاكم: ومن أفضال الله عز وجل على شخصكم الكريم أنه غرس محبتكم في نفوس أبناء شعبكم، وعمق أسمى معالم التقدير والإعزاز لا في مواطنيكم فحسب، وإنما امتد الحب والإكبار إلى كثير من أبناء الشعب العربي الكبير والعالم الإسلامي المترامي الأبعاد، فالكثيرون غيرنا ينافسوننا في حبكم والإشادة بمواقفكم المشهودة في خدمة الإسلام والعروبة.
وهي مواقف لا تنسى لأنها قد ترسخت في الذاكرة العربية وسجلت في التاريخ المعاصر، وهي مواقف ملموسة ومشهودة على الملأ، ومسجلة في القلوب والصدور: كما تتمثل في كلماتكم الواثقة التي تحمل في مضامينها أروع صور الصراحة والوضوح، وأسمى معاني التواضع المرموق، وكدليل على ذلك ما سبق أن تفضلتم به بمناسبة نيل جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، وكذلك كلمتكم الرائدة في افتتاح الدورة الرابعة لمجلس الشورى لعام 1429هـ.
***
ومعلوم أن هذه الجائزة العالمية تمثل إحدى القمم المتألقة في ميدان الجوائز العالمية المرموقة، وهي لا تمنح إلا لشخصية مؤهلة لهذه الجائزة الرفيعة المكانة العالية القدر.. لكن الجائزة في دورة عامها (1429-2008) إلى جانب أنها منحت لمن يستحقها بجدارة لخدمة الإسلام على بصيرة ووعي مستنير، وعلى مستوى متميز: فإن الكلمة الملكية الصادقة التي عقب بها الملك الحكيم هي موضع الوقفة هنا.
هذا الفارس المتألق دائماً في كل مجال: هو خادم الحرمين الشريفين، وهو كذلك خادم الإسلام ورافع لواء الشريعة الإسلامية، ومن موقعه المشرف وعلى الرغم من توافر جميع المبررات لنيله بحق هذه الجائزة، فإنه يخاطب جمهور الحاضرين في حفل الجائزة، ومن سواهم خارج دائرة الحفل، وعلى مسمع من الدنيا كلها في صراحة واضحة ومن خلال كلمات مؤثرة. تلامس شغاف القلوب، وتستقر في أعماق النفوس. حيث يقول: (أصارحكم أن أول ما خطر بذهني حين سمعت بترشيحي لجائزة أخي الملك فيصل يرحمه الله لخدمة الإسلام: أن أبادر إلى الاعتذار، فهناك من المسلمين من له من الأعمال والتضحيات ما يجعله أحق مني بهذا التكريم).. وبعد الاستخارة وليس بعدها من خيار وافق على قبول الجائزة، وعلل - رعاه الله - قبولها في تواضع الكبار بقوله: (لا اعترافاً مني بفضل شخصي ولكن نيابة عن كل مسلم ومسلمة ممن خدموا الإسلام بصمت، وأن العالم المسلم في مختبره، والجندي المدافع عن وطنه، والواعظ الذي يدعو إلى الاعتدال، والموظف النزيه الذي يرفض الإغراءات، والقاضي العادل المنصف، والعامل الذي يعمل بيديه ويتقن عمله، والطالب الذي يثابر على دراسته وتحصيله: كل هؤلاء يخدمون الإسلام، وباسمهم في كل مكان من ديار المسلمين: يسرني قبول هذا التكريم وأهديه لهم جميعاً).
***
لقد جاء هذا التعبير الكريم الصادر عن قلب مفعم بالنبل ونكران الذات، فهو يقبل هذه الجائزة باسم كل من ذكرهم بخصائصهم الذاتية من المسلمين الذين يمثلون من خلالها الإسلام (هذا الدين العظيم) وقد خدموا الإسلام بالإخلاص في أعمالهم والصدق في أداء واجباتهم، فكانوا بذلك يجسدون قيم الإسلام.
لقد كان للكلمة الملكية السامية المعنى. الرفيعة القدر. المليئة بالصدق. ما جعلها معبرة ومؤثرة عبّرت عن أرفع المعاني الإسلامية النبيلة، وهزت النفوس من الأعماق، ووضعت صورة هذا المليك المفدى في قلب كل فرد مؤمن بالأهداف المتسامية ومُثلِ الإسلام العليا.
***
وإذا كان موقف مليكنا المحبوب من: (جائزة خدمة الإسلام) وهو المؤهَّل لها بكل المقاييس وبجميع المعايير، وأن مواقفه النبيلة المتكررة على هذا المنوال الرفيع في إنكار الذات على الرغم من الكثير الذي بذله ويبذله من جهود حثيثة ومتابعة مستمرة في ميادين عديدة، وعبر مسارات متعددة في بناء الاقتصاد الوطني وإنجاز المشروعات الضخمة على نطاق ممتد في جميع أنحاء وطننا الواسع، وكل ذلك يتم على أسس متينة وبتقنية متفوقة. إلى جانب مواقفه المشرفة في سائر النواحي الدينية والتعليمية والاجتماعية والثقافية سواء ماله مساس بالوطن أو ما يتجاوزه إلى العالم الإسلامي ورفعته، فإن له - حفظه الله - أدواراً واضحة ومتابعات ملموسة في كل مجال حيوي. سواء داخل هذه البلاد أو خارجها: حيث تبدو مشمولة بتوجيهاته الشخصية ورعايته الذاتية.
***
وعلى الرغم من كل هذه الجهود الملكية المبذولة والاهتمامات الرشيدة الدائمة فإنه لا يقنع بما بذل من مال ولا بما أعطى من جهد، وإنما يفاجئنا برؤيته لما بذله من جهود وما قام به من متابعة: أن ذلك كله أدنى مما يجب أن يكون، وهذا الشعور الذاتي المتألق يمنحنا اليقين بأن هذا الملك الصالح قد أدى الأمانة التي تحملها والمسؤولية الكبرى التي اضطلع بها، ويصدق على مواقفه الرائعة قول المتنبي:
وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام
ولا نملك سوى الدعوات الصالحات بدوام الصحة ومديد العمر إن شاء الله لعاهلنا الكريم. الذي ضحّى براحته وسخّر طاقاته واستغل وقته لصالح الأمة وبناء مستقبلها الشامخ. كما أنه قد أرهق نفسه في سبيل إنجاز المهام الجسام والمشروعات العظمى.
***
وفي ضوء هذا المفهوم الرائد. والحس الإنساني الرائع: يحسن بنا الرجوع إلى الخطاب الملكي التاريخي الذي افتتح به خادم الحرمين الشريفين الدورة الرابعة لمجلس الشورى لعام 1429هـ حيث قال ما نصه: (هذا الوطن علينا أن نحيطه بأكرم تعابير الحب والوفاء، فهو تجربتنا التاريخية التي نفتخر بها وندافع عنها، وهو الرؤية التي نسير في طريقها بتصميم وعزم بين دروب وعره. لا يمكن أن تعيق النفوس الكبيرة المتوكلة على الله).
ثم استطرد -حفظه الله- مؤكدا هذه الرؤية المتجسدة في ذهنه، والتي تمثل مشاعره الوجدانية ودواخل ذاته الإنسانية، وفي نبرة صادقة مخلصة تنطق بكل معاني المسؤولية التي تتجسد فيها العفوية والصراحة يقول: (يشهد الله تعالى أنني ما ترددت يوما في توجيه النقد الصادق لنفسي إلى حد القسوة المرهقة كل ذلك خشية من أمانة أحملها، وهي قدري وهي مسؤوليتي أمام الله - جل جلاله - ولكن رحمته تعالى واسعة، فمنها استمد العزم على رؤية نفسي وأعماقها. تلك النفس القادرة على توجيه النقد العنيف الهادف: قادرة - بإذن الله - أن تجعل من ذلك قوة تُسقط باطلاً وتُعلي حقاً، ولنتذكر جميعاً أننا مسؤولون أمام الله ثم أمام شعبنا ووطننا. نستحضر في كل أمر قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. هذا وبالله العزة وإليه المنتهى. عليه توكلنا وبه نستعين).
***
هذه العبارات الرائعة والمعاني الرائدة. التي تفيض بالإيمان والاعتماد على الله جل جلاله تعمق في النفوس أروع مواثيق الحب والولاء لهذا المليك المفدى زاده الله توفيقا في مسيرته الراشدة، وأنعم عليه بالعمر المديد إن شاء الله، وأن يتقبل سبحانه الدعوات الصالحة الصادقة لمليكنا المحبوب الذي تفديه الأرواح وتهتف باسمه القلوب، والله أيها الملك العادل القريب من شعبه المضحي من أجل وطنه لو كانت الأعمار توهب لوهبنا لشخصكم المحبوب من أعمارنا ما يمتدّ به عمركم المديد بمشيئة الله. ليتوافر لك الكثير من الوقت للمزيد من العمل. من أجل رفعة هذا الوطن وإسعاد مواطنيه. الذين يشرفون بمواطنتهم في هذه البلاد التي تنعم في ظل الرعاية الكريمة والحكم العادل، والسهر الدائم على مصالح البلاد والعباد. أتم الله عليكم نعمة الصحة، وأمدّ في حياتكم الغالية، وتقبل الله الدعوات التي تُرفع إلى المولى تبارك وتعالى بأن يحفظكم ويبارك في حياتكم ذخراً لوطنكم وسنداً لشعبكم، وفخراً لكيان العروبة، وراعياً لشعائر الإسلام.
المواطن
عبدالعزيز بن عبدالله السالم