Al Jazirah NewsPaper Monday  23/02/2009 G Issue 13297
الأثنين 28 صفر 1430   العدد  13297
بين الكلمات
ماذا قال الشيخ صالح الحصين..؟
عبدالعزيز السماري

 

عُرف عن الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين عِلمه الواسع وثقافته التي تتجاوز الحدود، وعندما تستمع إليه لأول مرة تدرك على الفور أنه عالم من خارج هذا العصر، فقد سبق زمنه، وقدم نموذجاً متقدماً لعالم الدين في المستقبل، أو كما نريد أن يكون عليه عالم الدين الملتزم بمفاهيم وثوابت الدين الجليل، وبقدرة الاتصال بمصادر المعرفة المتعددة، هذا بجانب اطلاعه الواسع على الاقتصاد والثقافة الغربية، وإلمامه بأكثر من لغة حية..

وهو نهج يخرج عن التقليد السلفي، الذي يحصر العلم داخل دائرة مغلقة، ويحارب تسلل العلوم الأخرى إلى داخل الذهنية السلفية، التي عُرف عنها إغلاق العقل ثم تركه يضمر ويفقد سمة التطور تدريجياً، وكان من نتائج هذه السطحية سهولة نفاذ حبائل الثقافة الغربية ونجاحها في غزو مقاصد الإسلام، وعلى سبيل المثال تم إدخال الاقتصاد الرأسمالي الغربي للدائرة الإسلامية من خلال مظهر متدين، لكن يخفي داخله صورة من صور الاقتصاد الغربي المفترس..

لكن العقل المتقد والمنفتح على العلوم الأخرى والمتمثل في عقلية الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين لم تغفل عنه قضية المرابحات الإسلامية المزعومة، التي راح ضحيتها ادخار معظم الطبقة الوسطى في غزوة القروض الاستهلاكية تحت شعار أسلمة الاقتصاد، فقد أوضح سماحته أن المعاملات الإسلامية التي تنتهجها البنوك المحلية معاملات مزورة باسم الإسلامية، وأنها معاملات غير مباحة.. وذلك خلال ندوة حضرها اثنان من أعضاء هيئة كبار العلماء المشاركين في لجان شرعية تصنف بعض التعاملات البنكية على أنها تعاملات إسلامية، وشدد الشيخ الحصين على أن القرض أو التورق الإسلامي الذي تدعيه البنوك يعد مخالفا للإسلام وشريعته، وهو أخطر من الربا.. وقد استغلت عاطفة الناس بصورة الإسلام وأصبحت حيلة واضحة تتعامل بها البنوك مع كل محتاج للقروض.. وأن برنامج التورق الإسلامي يسير بنفس القروض الربوية الصريحة، وهذه خدعة من البنوك في ظل غفلة الناس وتعاطفهم مع المخرج الشرعي.

وأكد الشيخ صالح الحصين الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي في محاضرته أن الخبراء أجمعوا على أن جميع المعطيات كانت تشير إلى أزمة مالية عالمية، مضيفاً أنه بعد انهيار بورصة نيويورك عام 1987 اجتمع 31 خبيراً عالمياً من 13 دولة، وكان التقرير الذي أصدروه بعد اجتماعهم متشائماً حول مستقبل الاقتصاد. وأضاف نقلاً عن أحد الخبراء (إن الاقتصاد العالمي الحالي يتكون من أهرامات من الديون يرتكز بعضها على بعض ولكن بدون قاعدة، وإن السبب في ذلك يعود إلى النظام البنكي الرأسمالي الذي سمح ب(عقود المخاطرة) للأسهم والتسهيلات، ونتيجة ذلك أصبح هناك تدفق للمال بين دول العالم بنسبة 97% للتسهيلات و3% للتجارة الحقيقية..).

الجدير بالذكر أن القروض المحلية تضاعفت إلى أرقام فلكية بسبب تشريعات مؤسلمة وإغراءات بنكية في سهولة تقديم القروض الاستهلاكية بعد أن ضمنت تسديدها من الراتب الذي تم إلزام صاحبه على تحويله لحساب في البنك، وذلك لمزيد من مصلحة البنوك واستثماراتها في القروض الشخصية.

ما تحدّث عنه الشيخ والعالم صالح الحصين يستحق الوقوف عنده من جانبين، أولهما العلماء الذين دخلوا البنوك من أبوابها الرئيسية في وقت كان يُحرم على المواطن العمل فيها، وفي شرعية عملهم مقابل المكافأة المادية المغرية، والذي فتح الباب أمام القروض الاستهلاكية وعقود المخاطرة بالأسهم، وهل يجوز لهم أن يفتوا لمستفيد مقابل مكافأة مالية مجزية، ولو رجعنا إلى صدر الإسلام لوجدنا أن العلماء كانوا يرفضون المناصب والمال من أجل إصدار الفتاوى إذا كانوا يتمتعون بصفة الاستقلال، وذلك لأن موقعهم جليل، ومن المفترض ألا يكون للمنفعة الشخصية منحى حين يُفتي بشرع الله في شؤون الناس ومصالحهم، وكان من الأسلم أن يقوم بهذا الدور لجنة شرعية عليا مرتبطة بمؤسسة النقد، وغير مستفيدة من أسلمة معاملات البنوك..

أما الجانب الآخر، وهو اقتصادي، وهو في حين أن التوقعات كانت تنذر بوقوع كارثة بسبب الديون والقروض المتراكمة في النظام الرأسمالي العالمي، فلماذا لم تكن مؤسسة النقد محافظة داخلياً كما هو الحال في سياستها الاقتصادية الخارجية؟ ولماذا لم تحمِ المواطنين من المخاطرة بمدخراتهم التي تم تجميعها خلال عقود؟..




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد