Al Jazirah NewsPaper Sunday  15/03/2009 G Issue 13317
الأحد 18 ربيع الأول 1430   العدد  13317
نبْق هجر (الأحساء)

 

(إذا جاء الكنار ساوى الليل النهار)، وتقول العامة في الأحساء وما جاورها: (إذا طاح الكنار ساوى الليل النهار)، وهي قاعدة يعتمد عليها الفلاحون، وهي توافق (طالع البلدة).

والكنار هو النبْق، وللنبق موسم معروف في بلدة الأحساء له فرحة لدى الصغار والكبار؛ لأنه يبشر بقرب دخول فصل الربيع؛ فتجد الشوارع تعج بباعة الكنار على الأرصفة، وأهل الأحساء يسمون ثمر السدر الكنار، وشحر السدر شجر معروف فيه البستاني وفيه البري، وقد ذكره ابن سينا في كتابه القانون وأثنى على نبق هجر حيث قال: (وأجود نبْق يُعلم بأرض العرب نبْق هجر في بقعة واحدة يسمى للسلطان. وهو أشد نبق يُعلم حلاوة وأطيبه رائحة يفوح فم آكله وثياب مُلابسه بضم الميم كما يفوح العطر.. إلخ) ص 214، 215 ثم قال: (وبعضهم يسميه كنار). وجاء في ترتيب القاموس المحيط في الجزء 4 ص 87 ك ن ر: الكنار كغراب: النبْق.

إذاً لا ضير على أهل الأحساء؛ فإنهم يسمونه الكنار، وعندهم مثل عامي فيمن يتكلم في الشيء وهو لا يعرفه؛ فيقولون: (ايش أدرى الحمار بأكل الكنار؟!).

ويسمى في بعض بلدان نجد بالعبري والغبري والضال والدوم، والاسم الجامع لكل الأسماء هو النَّبْق بفتح النون وسكون الباء.

وجاء في كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار في ج 3 ص 6، 7 (وأجود نبق يوجد بأرض العرب نبق هجر في بقعة واحدة بحمى السلطان، وهو أشد نبق يعلم حلاوة وأطيب رائحة يفوح فم آكله.. إلخ).

وكانت الأحساء في السابق فيها غابات من السدر الذي يصل إلى عنان السماء كله خضرة صيفاً وشتاء تغرد عليه العصافير والبلابل بشتى الألحان، وحين كانوا يسقون على الحمر والحمير الأحسائية المعروفة بضخامتها وقوتها كانوا يزرعونه بكثافة على جوانب البئر حتى يظلل الحمير وهي تجذب الماء، وكانت السدر تطل على الشوارع والبساتين مفتوحة، ولا يمنع أحد عنه، فمن الناس من يلتقط الذي في الأرض ومنهم من يصعد إلى أحد الفروع ليهزه، ومنهم من يستعمل عوداً طويلاً أو خشبة أو غصناً طويلاً ليحرك به الأغصان؛ فيتساقط الثمر؛ فهو جمال وظلال وثمر وورق وغذاء ودواء.

وجاء في تاريخ نجد تأليف مفتي بغداد السيد محمود شكري الآلوسي - رحمه الله - المتوفى عام 1342هـ في ص 74 في حديثه عن ثمار الأحساء قال: وفيه النبق الذي يعز مثله في البلاد، ومنه نوع عديم النوى. انتهى. قلت: وهذا يسميه أهل الأحساء (أم صليم)؛ لأنه ليس به نوى، وهذا من باب الأضداد فيسمى الشيء بضده كما يسمون الجرة التي تبرد الماء (المسخنة) من باب الأضداد كما في كتاب الأضداد لقطرب ص 82 .

وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في كتاب الطب المستخرج من كتاب زاد المعاد قال رحمه الله: نبْق ذكر أبو نعيم في كتابه الطب النبوي مرفوعاً: (إن آدم لما هبط إلى الأرض كان أول شيء أكل من ثماره النبق).

وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - النبْق في الحديث المتفق على صحته (أنه رأى سدرة المنتهى ليلة أسري به، وإذا نبقها مثل قلال هجر)، والنبق: ثمر شجر السدر يعقل الطبيعة ويمنع من الإسهال ويدبغ المعدة ويسكن الصفراء ويغذي البدن ويشهي الطعام ويولد بلغماً، وينفع الذرب الصفراوي، وهو بطيء الهضم، وسويقه يقوي الحشا، وهو يصلح للأمزجة الصفراوية، وتدفع مضرته بالشهد.. إلخ - ص 359-360.

وورد في كتاب الطب المستخرج من كتابه الكبير الآداب الشرعية لابن مفلح ورد في ص 172 مثل الذي ذكره ابن القيم: النبق زاد غيره وسحيق ورقه يلحم الجراح ذروراً ويقلع الأوساخ وينقي البشرة وينعمها ويشد الشعر ويمنع جسم الميت من البلاء، ومن ثم تغسل به الأموات، وثمره هو النبق إذا اعتصر الحلو النضيج منه وشرب بالسكر أزال اللهيب والعطش وقمع الصفراء، وكذا يفعل سويقه إلا أنه يقطع الإسهال، ونواه إذا درس ووضع على الكسر جبره وكذا الرض مطلقاً مجرب، وإن طبخ حتى يلغظ ولطخ على من هو به رخاوة والطفل الذي أبطأ نهوضه اشتد سريعاً، وهو ضار بالمبرودين ويصلحه المصطكي والزنجبيل، وكثيره ينقلب في المحرورين مرة ويصلحه السكنجبين. انتهى.

قلت ولا يزال الناس يغسلون موتاهم بالسدر وفي الأسواق صابون السدر وشامبو السدر.

أما قوله - صلى الله عليه وسلم - عن سدرة المنتهى بأن أوراقها مثل قلال هجر؛ فالمقصود هجر البحرين (الأحساء حالياً)، واشتهرت كما رأيت كذلك بالسدر وبنبق هجر، واشتهرت كذلك بالقلال حيث رجح الحافظ ابن حجر أن هجر البحرين هي المقصودة، وقد عرفت منذ القدم بصنع الفخار والجرار والبرمات والحب أو القلة، ومع مرور السنين أصبح لفظ اسم القلة يطلق على كمية من التمر تعبأ في ماعون من سعف يسمى (قلة)، والقلة تمثل ربع منّ وتساوي اثنين وستين كيلو. وكذلك أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الجزية من مجوس هجر، وهي نفسها هجر المعروفة وليس في المدينة ولا قريباً منها مجوس.

محمد بن عبدالرحمن بن حسين آل إسماعيل
www.alismaeil.com





 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد