المنطق والعقل يقول إنه وكلما تطورت أدوات العيش ورفاهيته كلما تسهلت الحياة وأصبحت أفضل لكن الواقع حسبما أعتقد يقول خلاف ذلك.
على سبيل المثال لا الحصر عندما أصبح لدينا سيارة بدل الحمار وكلاهما وسائل نقل وتحميل تحولت وسيلة النقل هذه إلى قاتلة أحيانا ومكلفة في الغالب وبالمناسبة السيارة لا تأكل حشائش الأرض بما في ذلك السيارات الأمريكية...
عندما صار لدينا قنوات وصحف وإذاعات بدلا من رواة الأخبار وشعار المعلقات صار الذوق لدينا والاستيعاب والتصديق أصعب إن لم أقل أسوأ حتى ليكاد الجدل والتناحر يكون بديلا للذوق والاستيعاب بدليل أن الدول التي تزدحم بكثرة الأحزاب أقل ديمقراطية وحيوية من تلك التي لا يوجد بها أحزاب من الأصل حتى أن كوريا الشمالية تشهد استقرار سياسي منذ نشأتها أكبر من جارتها الجنوبية التي تكاد تنافس إيطاليا وهي أي إيطاليا إحدى الدول التي ربما حطمت الرقم القياسي في عدد الحكومات.
عندما أصبح لدينا أجهزة تكييف وتبريد صرنا أقل قدرة على تحمل تقلبات الطقس ولست ادري لولا رحمة الله بظهور عقاقير الرشح والزكام إن كان ساكني الرياض وما حولها سيبقون إلى هذا التاريخ أم سينقرضون أسوة بالديناصورات التي تعنترت قبل ظهور عنترة العبسي في القصيم.
عندما ظهرت قنوات الرقص والغناء أصبحت صور النساء مقززة وبات الجمال الأنثوي منافس لكرة القدم وكلاهما صار مثل اللبان الذي تضرسه الأسنان لولا أن هذه وتلك لا تضرس بالأسنان بل هي التي تضرس العقول حتى تحيلها إلى ماء آسن غير صالح للاستخدام الآدمي.
عندما ظهر الهاتف المحمول صرنا أكثر ثرثرة وتوتر واقل حيلة على الاختباء والانزواء ربما لالتقاط الأنفاس والتأمل وهو ما جعلنا نلجأ إلى التمثل بأخلاقيات الآخرين وأحيانا بوقاحة أكثر من الصراحة والصدق إن لم نغلق الهاتف أو نكسره أحيانا هرباً ورعباً من التورط في إحراجات هذا الالتصاق المتقدم.
يبدو أن الحياة مع تقدم العلم وتسارع ظهور المخترعات أصبحت أكثر صعوبة وأكثر تعقيداً وأكثر تنغيصاً لولا أن المناداة بالعودة إلى حياة السهول والجبال ورعي الماشية وجني نباتات الأرض وإعادة ملكية الأرض إلى مالكها الحقيقي قد تعيدنا إلى عصور السكون والهدوء وفيّض المشاعر وإحياء النخوة والشهامة والكرم وحب التوانس والتقارب إلا أن كل هذا سيكون متقاطعاً ومثاليات العصر الذي يرى أن الكرم غباء والنخوة حماقة وفيض المشاعر مسّكنة وهشاشة و الشهامة فوضوية وحب التوانس لقافة وفضول.
الشيء الذي لم يقله أحد حتى اليوم رغم جنوح الكثيرين له هو ظاهرة الهروب من المدن وحياة العصر إلى العزب والاستراحات والمزارع وقد بدأت هذه الظاهرة تنتشر في مجتمعنا اليوم وإن كانت جاءت كحالة نخبوية في البداية ومظهر من مظاهر التميّز أو الادعاء به إلا أن كثيرين من الطبقة الوسطى إن وجدت والقادرين إن قدروا اليوم ميّالين إلى هذا حتى أضحت شعاب الرياض وبراريها تغص وتكاد تختنق بالهاربين من حياة هذا العصر إلى عصور قديمة بل وتكاد ترى هذه النزعة الوجدانية ظاهرة في تخطيط ورسوم هذه الاستراحات والعزب وإن بدت مختلفة قليلا في التفاصيل نتيجة اختلاف القدرة ووعي وثقافة الهارب من عصره.