Al Jazirah NewsPaper Friday  27/03/2009 G Issue 13329
الجمعة 30 ربيع الأول 1430   العدد  13329
اخلعوا البشوت
محمد بن إبراهيم الملحم

 

لم يكن يوم اللقاء الذي جمع مديري تعليم المملكة بنين وبنات يوم السبت 17-3-1430ه يوماً عادياً فهو محل ترقب لأول لقاء لهم لمقابلة سمو وزير التربية الجديد وأصحاب المعالي النواب، وعلى الرغم أن عدداً منهم من المخضرمين في الوزارات الثلاث (ومحدثكم منهم) قد تعودوا على موسم التحول هذا وما يحمله من ترقب وتشوق لمعرفة التوجه الجديد إلا أن لكل موقف نكهته الخاصة وسماته المميزة.. وأحسب أن هذا الترقب لا يمس مديري التربية والتعليم في المناطق والمحافظات فقط بل يتساءل عنه أفراد المجتمع وكثيراً ما يطرح هذا التساؤل: كيف تستشرفون الوزارة الجديدة؟ سؤال يفرض نفسه بحجم ما يفرضه اتساع تأثير هذه الوزارة الحضاري والمجتمعي، وعلى الرغم من كون اللقاء مخصصاً للحديث عن مشروع الملك عبدالله - يحفظه الله - لتطوير التعليم والمسمى (تطوير) إلا أن اللقاءات الجانبية وورش العمل وجلسة سمو الأمير وزير التربية الختامية كان لها جميعا أبعاد خاصة، فسموه أبدى للحاضرين إلى أي مدى يتسم بالحس التربوي فحديثه التلقائي ورؤيته المتأنية في الإدارة التي اتسمت من خلال منهجه في الاستماع والاستفادة ودراسة الواقع للتقييم الموضوعي الذي يمكن من خلاله الانطلاق على أساس قوي وكذلك تواضع سموه الجم في ملاطفة الحاضرين ومجالستهم في طعام الغداء بل إصرار سموه على المشاركة المباشرة في طابور بوفيه الغداء بدلاً من خدمته خدمة خاصة كل ذلك كان محل إعجاب الحاضرين ويحمل في طياته بشرى قدوم تربوي يقود الوزارة باعتبار سمة التربوي تليق أكثر بمن يملك الحس والروح التربوية عن أولئك الذين لا يحملون إلا شهاداتها، الروح التربوية تنطلق بمنطق الرعاية، ومنطق التواصل الإنساني ومنطق التعلم المستمر ومنطق الشورى والتعاون والتشجيع والتحفيز وهو الأهم في مفهوم الرعاية بل هو شعار التربية ولافتته الكبرى وكل هذه معان إذا فقدت فيمن يقود (التربية والتعليم) مع امتلاكه مفاهيم التربية الفكرية وأصول الشأن الإداري فلن يجني منها بالضرورة إبداعاً أو توظيفاً موفقاً للطاقات الإنسانية التي يفترض أن تحمل رسالة التغيير والتطوير وتتحمل في سبيلها العناء والمكابدة، ما أجمل المسؤول التربوي الذي يشجع ويحفز ويستمع ويلهم ويتفهم ويتابع ويتعلم؛ فالتربية لا تتوقف دروسها يوماً فكل حدث مجتمعي وكل موقف محلي أو إقليمي يخلق حاجة جديدة إلى التعلم، وما لم يكن مسؤولو التربية كذلك فلن نتوقع من المعلمين أو المديرين في المدارس أو المشرفين في إدارات التعليم أو حتى مديري التعليم أن يكونوا استثناء، نحن لا نحتاج في وزارة التربية إلى من وعى نظريات التربية أو حفظ تعاميم الأنظمة الإدارية فهذه وتلك لها رجالها في الوزارة ولكن نحتاج إلى قيادة (تربوية) ولو استعرضت كتب القيادة الحديثة التي تعج بها المكتبات اليوم ويتهافت عليها من يهتمون بالشأن الإداري حتى في قطاع الشركات لرأيتها بالدرجة الأولى تستقي مبادئ تكوين الشخصية القيادية من علم النفس التربوي لا من علم الإدارة والتخطيط، وتقوم مقومات هذا البناء على معان كلها نفسية وتربوية تترسم مبادئ التفهم والتعامل والتواصل الإنساني والتحفيز والتقدير التي تكفل للقائد تحقيق أعلى مستويات الإنجاز لا بما يملكه من مهارات متخصصة أو أفكار أو خبرات عملية أو مبادئ ومفاهيم علمية في المجال نفسه فليس هذا أساساً في النجاح القيادي وإن كان مفيداً جداً حال توفره، ولكن بما تملكه روحه ونفسيته من سمات القائد الذي يتبنى ويتفهم ويقدر فيتبعه الآخرون ويقدموا له كل خبراتهم ونصحهم ويحفلوا بأمره ونهيه ويعملوا على نجاح مشروعاته حتى لو لم يقتنعوا بها فالمهم أن يقتنعوا به هو شخصياً.. فما ألزم أهل التربية بتربيتهم ومجالهم، لقد سررت بالطريقة التي تحدث بها سمو الوزير إليّ مهنئاً بفوز إدارتنا بجائزة الشيخ حمدان بن راشد وبطريقة تتسم بالاهتمام الواضح الذي يكشف نوعاً خاصاً من الرعاية وفي تقديري الشخصي المبدئي أن سموه لم يظهر هذا الجانب تكلفاً بل بدا لي أنه مفطور عليه وهذه خصلة نعتبرها كسباً إضافياً لأنه بعد إيجابي جوهري مضمون الديمومة فما أسعد الوزارة بشخص من هذا النوع ال(تربوي) الأصيل.

لقد أعجبني ما رأيته من معالي النائب الأستاذ فيصل المعمر حينما أدار اللقاء وهو رجل الحوار الذي ارتبط باسمه فأعطى كل شخص فرصته في الحديث لا يقاطع أحداً أو ينتهك فكرته التي يريد أن يوصلها (مهما بدت بسيطة) تحت لافتة الوقت والزمن والموعد المخصص وما إلى ذلك من القيود التي تربط الفكر عند سور الزمن كما يربط حصان السباق المتحمس عند أول حاجز استعد للقفز عليه.. في حياتنا العامة بل والعملية أحياناً كم نخسر من الوقت وكم نهدر من الزمن عند قضايا محدودة الأثر ليتوقف فيها عداد السعة دون شعور منا، بينما يجري هذا العداد سريعاً ومروعاً في لقاء يجمع أهل الفكر أو التجربة أو القرار في (يوم واحد) هو في الحقيقة نصف يوم ونكون أحرص الناس على ألا نتجاوز مواعيده مهما كانت القضايا المطروحة ذات حساسية وأهمية في حق المستفيدين والنظام بل والوطن برمته! هذه النظرة القاصرة لعامل الزمن لم تسيطر على نائب وزير التربية وكان الأستاذ فيصل المعمر فعلاً فيصلاً بين الشعور بالزمن والشعور بمسؤولية اللقاء وأهميته ولم يسمح للزمن أن يتخطى وعي الكلمة ولغة الحوار فهنيئاً لنا بك أبا عبدالرحمن لا لتدير شؤون الوزارة التنفيذية فقط بل ولتدير حواراتها بهذه الروح الرحبة فالتربية كلها حوارات ووجهات نظر وشؤون وشجون وتجارب وأفكار ومكاسب ومحاذير تحتاج إلى الكثير من الحوار والتلاقح المعرفي والنضج الفكري وصولاً إلى وضع اليد على موطن (أو مواطن) الألم لتخرج الوصفة أو الوصفات الناجعة.

الدكتور خالد السبتي لم يفاجئني في اللقاء الجانبي بأسئلته الاستشكافية التي تنم عن رغبة صادقة في الاستفادة من الميدان وما يحمله من تجارب فقد عرفته قيادياً شورياً شمولياً ولا يستغرب هذا على الأذكياء أمثاله ولكن كانت مفاجأتي أن أشاهد (معاليه) يشارك الزملاء مديري التربية والتعليم في مجموعة من مجموعات ورش العمل جالساً معهم يبدي رأيه ضمن الآراء لتسجل وتلخص ثم تناقش ضمن ورشة العمل.

بصراحة لم يسبق لي أن شاهدت أحد (كبار المسؤولين) بالوزارة يجلس هذه الجلسة، علامة تعجب إيجابية أضعها أمام هذا المخلص الذي عرفته مؤسسة الملك عبدالله ورجاله للموهوبين رئيساً لرعاية الموهبة والإبداع وربما تعرفه وزارة التربية قريباً مبدعاً مميزاً، وكل آت قريب.

الأستاذة نورة الفايز لم ألتقي بها طبعاً (أقول ذلك كي يطمئن من يظنون أن قرار تعيين معاليها في هذا المنصب ربما يترتب عليه مظاهر لا تتفق وتقاليدنا السعودية الأصلية) ولكن من خلال حديثي مع معاليها وما سمعته منها - وفقها الله وأعانها - وكذلك بعض مبادراتها التي نقلتها لي بعض الزميلات الفاضلات كشفت عن شخصية متحمسة تحمل هم التربية وتفكر بأسلوب علمي وتحرص على العطاء كما تملك مقومات الكاريزما الشخصية والأهم من هذا كله أفصحت دون تحفظ أن الميدان هو القلب النابض لحركة التطوير وأقول لنورة الفايز لا أحتاج إلى أن أراك أو أجتمع بك كما تقدم في سردي لمشاهداتي لسمو الوزير وأصحاب المعالي ولكن هذه الرؤية الرائعة نحو الميدان وأهميته لديك كمتخذة قرار كافية أن ترسم لي ولغيري عن شخصيتك الرائعة بروفيلا أزرق كسماء روضة خريم الصافية في يوم ربيع لم تمطر سماؤه وطاب هواؤه ورقت شمسه فأينعت زهوره البيضاء لتكسو الأرض ثوب الصفاء المشرق.

لماذا كل هذا الزخم في مقالتي هذه نحو هذا النوع من العلاقة؟ أجزم أن كثيراً من زملاء المهنة يدركون الإجابة دون عناء، ذلك أن التربويين في الميدان اليوم يبحثون عن من يحتضنهم ويرعاهم و(يستمع) إليهم فقد أنهكتهم التعاميم (الجبرية) التعاميم التي تطبخ في أروقة الوزارة فقط باعتبار من يعملون فيها (وفيهم خير كثير) هم أعلم الناس، ثم يتفاجأ بها المنفذون بكل مستوياتهم واختصاصاتهم وتجاربهم ووعيهم بواقع الحياة التربوية وظروفها ومتغيراتها وملامحها فيتعاملون مع هذه القرارات على مضض.. وليس تفعيل التقويم المستمر في الصفوف العليا عنا ببعيد، وهم دائماً يعيشون لهفة اللقاءات أملاً في الإفصاح والحديث بشفافية لما يقفون عليه من تجربة ومشاهدة واقعية وفي نفس الوقت ينظرون بأمل نحو تفعيل حواراتهم وتوصيات لقاءاتهم (مع قلتها) لما تحمله من خلاصة الميدان ونبض المجتمع التربوي وراءهم، وأعتقد جازماً أن هناك في إدارات التربية والتعليم (لا أقول من مديري التعليم بل حتى ممن هم أقل منهم) من يملكون من الفكر التربوي والتجربة الواعية والنظرات التخطيطية القائمة على أسس علمية ما يمكن أن يثري قرارات الوزارة ويكفل لها الخروج بصورة احترافية موفقة إلى حد بعيد بيد أن بعدهم عن مركز القرار يعوق ذلك، وليت شعري.. هل هذا مبرر كاف ليجتر الميدان جريرة بروتوكول المناصب علواً وانخفاضاً أو المواقع الجغرافية بعداً وقرباً؟

لقد حضرت إلى الرياض حاملاً (البشت) على الرغم أني لا أحفل كثيراً بالبشت إلا ما تلجأ إليه ضرورة البروتوكول وتقدير من تزوره أو تتعامل معه، ورؤيتي للبشت أنه لا مكان له في موقع العمل ولا لقاءاته سواء المحلية أو الوزارية إلا ما كان منها احتفالياً أو ينطوي على لوازم البروتوكول الوطني ومتطلباته التي نحترمها ونفتخر بحفاظنا على تقاليدها، أما الاجتماعات والمؤتمرات العلمية والمحاضرات وما في حكم ذلك فليس لها البشت لأنها أخذت حكم العمل والإنجاز، بل نعلم جميعاً أن هناك من تأخذهم مواقف حمى العمل وحب الإنجاز إلى رمي (الغترة)، ومع أني لست من هؤلاء إلا في المنزل، لكني أرى البشت معيقاً في مواقف العمل حتى إن كانت رسمية وفي لقاءات عامة.

إذاً لماذا حملت البشت؟ لقد حملت معي البشت لأني سأقابل وزيراً يسمى (سمو الأمير) وللموقف هيبته، وكذلك سأقابل أصحاب المعالي ولهم تقديرهم، وفي المقولة المشهورة (لكل قادم دهشة) وفي نفس الوقت مرت علينا عدة لقاءات وزارية يفاجئنا فيها عدد من الزملاء والمسؤولين بالتبشيت بينما يحضر بعضنا بالمنطق الذي قدمت له قبل قليل فعزمت هذه المرة ألا أتفاجأ.. إلا أن المفاجئ أن أصحاب المعالي قدموا دون البشوت وهذه بشارة تنبئ (بالنسبة لي على الأقل) أن العزم هو على العمل والإنجاز أكثر منه إلى البروتوكول والتشريفات، كذلك سمو الأمير لم يحفل بالتمسك بالبشت وتخفف منه على مائدة الغداء الأمر الذي له وقعه على مجالسيه مهما كان الرمز بسيطاً هيناً في نظر البعض إلا أنه في نظر كثيرين محل تقدير عظيم لشخص في مثل منزلة سموه وفقه الله، وهنا أقول لجميع إخواني التربويين أمام هذه الظاهرة (التربوية): اخلعوا البشوت والغتر فقد حان وقت العمل.

- مدير التربية والتعليم للبنات بالأحساء



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد