مَن يَزُر (مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية)، ويتجول داخل قاعته التذكارية، أو المعرضين الدائمين؛ الأول (للفن الإسلامي) والآخر (للمخطوطات)، أو قسم التعقيم والترميم، أو معمل الترميم المتنقل المذهل في الوصول إلى أمهات الكتب التراثية النادرة لترميمها وتعقيمها وصيانتها وتجليدها في مقر وجودها حيثما كانت، أو مكتبته العامة بكافة أروقتها وأقسامها ولاسيما قسم (الكمباكتس) أي خزانته الإلكترونية ذات الكفاءة الخيالية، أو مكتبته السمعية والبصرية، أو قسم المايكروفيلم؛ المصغرات الفلمية، أو قسم الطباعة والتجليد، أو دار الفيصل الثقافية، أو مكتبة الأطفال!
ومن يتأمل ما يقدمه المركز من خدمة شاملة لطلبة العلم، وما يشهده من حراك بحثي، على مدار اليوم والساعة عبر مكتبتيه العامتين الرجالية والنسائية!
ومن يتابع نشاطاته الثقافية الشاملة على مدار العام، سواء ما يختص منها بإقامة الندوات، وورش العمل، والمحاضرات، والمعارض ولاسيما (معرض القدس وفلسطين) الذي أقيم مساء يوم الاثنين غرة صفر لعام 1425هـ الموافق 22 مارس/ آذار 2004م، واستمر لما يقارب الثلاثة شهور، والذي نتطلع إلى إحيائه هذا العام 2009م الذي اختيرت فيه القدس عاصمة للثقافة العربية، وهذا رجاء أضعه بين يدي صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل؛ رئيس مجلس إدارة المركز! أو ما يختص منها بالإصدارات التي تطلب حصرها إصدار دليل يتكون من مائة وأربعين صفحة، اعتمد العامل التصنيفي لسهولة الوصول إليها، ومن بينها (مجلة الفيصل الثقافية) التي تصدر شهرياً، و(مجلة الفيصل العلمية) التي تصدر فصلياً والتي تعد إنجازاً نوعياً إذ تعنى بنشر الثقافة العلمية، وعدد كبير من السلاسل المتلاحقة مثل (سلسلة تحقيق التراث) و(سلسلة الرسائل الجامعية) و(سلسلة الكتب المترجمة) و(سلسلة الدراسات المعاصرة) و(سلسلة المحاضرات العامة) و(سلسلة فيصل بن عبدالعزيز في عيون التاريخ) و(سلسلة الدراسات المتنوعة)!
ومن يواكب رحلات معرضه المتنقل؛ (الملك فيصل: شاهد وشهيد) الذي أشرقت أنواره أولاً في (مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بالرياض)، ثم أقلع إلى (أبها)، ومن ثم إلى (جدة)، ثم عاد إلى الرياض لتكون له بصمته الخاصة في (المهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية)، والاستعدادات تجري حالياً لحمله على الأكف إلى (طيبة الطيبة)؛ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة للحديث هنا عما يحدثه المعرض من أثر إيجابي كبير في نفوس زائريه!
ومن يطلع على أفواج الزائرين إلى المركز؛ أفراداً وجماعات، وبمختلف الشرائح والفئات!
ومن يقف على الدور الرائد الذي يقوم به (معهد الفيصل لتنمية الموارد البشرية) الذي أنشئ في عام 1421هـ لخدمة الفرد والمجتمع من خلال الدورات التدريبية التي يقيمها في مختلف التخصصات؛ بدأها بدورة تدريبية في غاية الأهمية إذ اختصت في مجال التزوير في المخطوطات والوثائق، لغرض كشف المزورين وطرائق التزوير والأساليب المتبعة والكيفية التي تخرج عليها المخطوطات المزورة، وإلقاء الضوء على التجهيزات الحديثة التي تساعد على كشف التزوير، وقد شارك في هذه الدورة عدد من الخبراء المتميزين في هذا المجال!
ومن يتصفح قواعد المعلومات الببليوجرافية؛ وهي عن (الملك فيصل) و(الاقتصاد الإسلامي) و(الإعلام الإسلامي) و(التربية الإسلامية) و(المرأة) و(العالم الإسلامي) و(المخطوطات الإسلامية) و(المخطوطات المحققة والمنشورة) و(الرسائل الجامعية)؛ التي تقدم خدمة مهمة في تغطية جميع رسائل الماجستير والدكتوراه الممنوحة من الجامعات السعودية، وحصر الرسائل المشابهة على مستوى العالم العربي! بالإضافة إلى قواعد المعلومات غير الببليوجرافية (النصية) وهي عن (المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية) و(الدول والأقليات الإسلامية)!
أقول، مَن يفعل شيئاً من ذلك يدرك المعنى الحقيقي للعبارة التي ختم بها صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، كلمته التقديمية في (دليل إصدارات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ودار الفيصل الثقافية) المشار إليه أعلاه حيث قال: (المركز منبر يعبر عن عظمة الثقافة الإسلامية والعربية، فإذا استطاع من خلال ما يقوم به من دور أن يؤثر في طلاب العلم، ويدفعهم إلى المثابرة، وبذل المزيد من الجهد، وإذا نجح في إيصال المعرفة إلى أكبر عدد من الناس، فإنه يكون قد بلغ الغاية المنشودة من إنشائه)!
وأنا أقول نعم سمو الأمير، لقد بلغ المركز الغاية المنشودة من إنشائه؛ أقول نعم، لأن إنجازات المركز قالت نعم، من خلال ما قام به المركز إعداداً ونشراً وتوزيعاً من دراسات وبحوث ذات صلة بالحضارة الإسلامية بمختلف مجالاتها، وما أسهم به من تشجيع للباحثين والدارسين في هذه المجالات بتقديم الخدمات اللازمة لأغراض البحث، وتقديم المساعدات المالية لتحقيق ذلك، وتهيئة الوسائل والإمكانات اللازمة للمتفرغين علمياً للبحث في المركز وخارجه وتمكينهم من القيام بإجراء بحوثهم في مناخ علمي ملائم، وتوفير الكتب والمخطوطات والنشرات داخل مكتبته العامة وعبر الطرفيات الإلكترونية المنتشرة وعبر الشبكة العنكبوتية. وجلب التقنية الحديثة في مجال التوثيق و(الميكروفيلم) و(الميكروفيش)، وإقامة قنوات التعاون مع مراكز البحث والجامعات في المملكة وخارجها فيما يخدم تبادل المعلومات وإجراء الاتصال اللازم للباحثين للحصول على المعلومات المطلوبة وتبادل المقتنيات أو صور منها، وما مارسه من دور ريادي في العناية بترميم المخطوطات الإسلامية النادرة والمحافظة عليها، وتدريب المختصين على كيفية المحافظة على تلك المخطوطات لاسيما بالطرق العلمية الحديثة وتشجيع الجهود المبذولة في هذا السبيل داخل المملكة وخارجها، والإسهام في تأسيس أقسام كاملة في مجال التعقيم والترميم لدى جهات أخرى، ودوره الواضح في إبراز الجوانب القيادية والإنسانية للملك فيصل بن عبدالعزيز - رحمه الله -، بوصفه رائداً للتضامن الإسلامي.
تلك بعض الإنجازات فقط، ولن أستطرد في ذلك كثيراً كي لا أطيل، ولكن أبرق نظرة سريعة نحو محطة واحدة مما ذكر أعلاه، وهي حركة النشاط الثقافي التي نظمها المركز، وأخص منها الحقبة الزمنية الممتدة من 26-12-1419هـ إلى نهاية عام 1421هـ؛ إذ تمكنت بفضل الله من حضور جميع فعالياتها التي بلغت ثلاثين نشاطاً في موضوعات ثقافية اختار المركز موضوعاتها لتحاكي أحداث الساعة، واستضاف لها شخصيات مرموقة من داخل المملكة وخارجها.
ولابد من الإشارة هنا إلى (معرض الكتاب الإلكتروني)؛ الذي أقيم في مركز الخزامى، في المدة من يوم الإثنين 21-12- 1420هـ إلى 30-12-1420هـ، الموافق 27-3-2000 م إلى 5-4-2000م. وهو معرض دولي رعاه صاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبدالعزيز؛ نائب أمير منطقة الرياض، وشارك فيه عدد كبير من الدوائر الحكومية والمؤسسات المختصة في مجال النشر والإلكترونيات من داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وقد جاء هذا المعرض في إطار ما شهده العالم خلال العقد الأخير من القرن العشرين من طفرة واسعة في مجال تقنية المعلومات، ونتيجة للجهود المستمرة المتجددة في هذا المجال، ومواكبة للمستجدات في عالم النشر الإلكتروني الذي أصبح منافساً قوياً للنشر التقليدي، نتيجة لتلاحم تكنولوجيا الحواسيب مع تكنولوجيا الطباعة، الأمر الذي أصبح معه هذا النشر واحداً من أهم موضوعات الساعة، وبخاصة في إطار الاهتمامات الأكاديمية والتطبيقية في مجال الاتصال والإعلام، وفرض نفسه على مسرح التجارة العالمية من خلال صناعة تقنية المعلومات، مما أدى إلى ظهور الكثير من المجلات والكتب الإلكترونية بجانب الوسائط الإلكترونية الأخرى كالموسوعات والمعاجم.. الخ. وجاء المعرض أيضاً في إطارالجهود المستمرة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية لمواكبة التطورات المتسارعة في بيئة تقنية المعلومات، وضمن نشاطاته التي نفذها بمناسبة اختيار مدينة الرياض عاصمة للثقافة العربية عام 2000م، وكدأبه المتواصل في الرقي بخدمة البحث العلمي وإفادة الباحثين والقراء. ويشار هنا إلى أن (معرض الكتاب الإلكتروني) هو الأول من نوعه في العالم العربي وأحدث ثورة عارمة في تسليط الضوء على صناعة النشر الإلكتروني في جوانبها المختلفة، والتعريف بكل ما هو جديد من الإصدارات الإلكترونية. وبالطبع لم يغب عن (مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية) الذي أنشأته (مؤسسة الملك فيصل الخيرية) عام 1403هـ- 1983م، استثمار فرصة إقامة ذلك المعرض، وفرصة وجود ذلك العدد الكبير من المشاركين، وتوافد الكثير من المهتمين، في تنظيم نشاط ثقافي مصاحب تمثل في إقامة سبع محاضرات ذات صلة بالنشر الإلكتروني، وحاضر فيها عدد من الأساتدة المختصين من داخل المملكة وخارجها، وجاءت موضوعاتها على النحو الآتي (مجالات التعليم بالوسائل الإلكترونية عن بعد) للأستاذ براين بيري، و(تقنيات النشر الإلكتروني العربي: المميزات والتحديات) للدكتور سليمان عبدالله الميمان، و(الكتاب الإلكتروني: الموسوعة البريطانية نموذجاً) للأستاذ عاطف محمد عبيد، و(النشر الإلكتروني وأثره على خدمات المكتبات ومراكز المعلومات) للدكتور حشمت محمد علي قاسم، و(ترشيد المجموعات عبر الإنترنت) للدكتور هشام بن عبدالله عباس، و(الإعلام القديم والإعلام الجديد: هل الصحافة المطبوعة في طريقها للانقراض؟) للدكتور سعود صالح كاتب، و(تطوير النشر الإلكتروني) للأستاذ عبدالرحمن عبدالله الحميدي.
تلكم إضاءة خاطفة صوب جزئية محدودة في حقبة زمنية محدودة أيضاً لمنجزات صرح بحثي يعد من أبرز المؤسسات الثقافية ليس في مدينة الرياض فحسب، بل في المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط كذك؛ هو (مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية) الذي سعدت بالعمل فيه لمدة تقارب السنوات الست.
أختم مؤكداً أنني لم أوفه حقه، لكن عزائي أن الثمار كثيرة وكلها عذبة شهية، والحديث عنها عامر بذكريات أكثر عذوبة، ولذلك أكرر القول: للحديث بإذن الله تتمة.
-كاتب فلسطيني - الرياض
aaajoudeh@hotmail.com