Al Jazirah NewsPaper Friday  27/03/2009 G Issue 13329
الجمعة 30 ربيع الأول 1430   العدد  13329
الأحياء الشعبية والحاجات الأساسية
مندل عبدالله القباع

 

ترتبط الأحياء الشعبية بقيم الثقافة الفرعية داخل ثقافة المجتمع الكلية، مما يخلق العديد من الإشكاليات مثل التدهور البيئي، وتشويه الخصائص الجغرافية والطبيعية للمكان، وتشويه المنظومة الحضارية، والضغط على الموارد الطبيعية، واهتزاز معطيات الاتزان البيئي، واهتزاز مدلولات التخطيط للتنمية، وعدم توافر الإمكانات المادية لهذا النمط من الإسكان العشوائي، وتدني الظروف المجتمعية التي يعيشها قاطنوها، وتهميش الحياة الاقتصادية لعدد كبير من سكان هذه الأحياء، مما يجعلهم عاجزين عن إشباع معظم حاجاتهم الأساسية، وهدر للمواد الطبيعية التي لا تقتصر على الأحياء الشعبية داخل حدودها المكانية وإنما يمتد تأثيرها لتشمل المجتمع بأثره، نتيجة عدم قدرتها على تطبيق النظم واللوائح والضوابط التي تحكم عملية السكان والتخطيط فهو بناء عشوائي يتركز فيه أكبر تجميع سكاني وصل لدرجة التشبع بحيث لم تعد هناك إمكانية لمزيد من مواقع الإيواء.

وتتناثر الأحياء الشعبية داخل المناطق السكنية، حيث تقع هذه الأحياء الشعبية وسط وأطراف المنطقة العمرانية، وتعتبر هذه الأحياء مناطق جذب لبعض الفئات حيث الإيجار المنخفض، حتى عدم وجود إيجار أحياناً يدفع بهذه الأحياء، ونسبة ضئيلة من المبالغ التي تدفع مقابل الانتفاع للمياه والكهرباء مع قربها من الخدمات ومناطق العمل وإمكانية الوصول إليها، وتتسم هذه الأحياء بوجود المشاغبين واعتدائهم على الغير وسوء المعاملة مع الجيران في ذات المكان، وزيادة حجم النفايات، وكذا تعميم الروائح الكريهة مع شدة الزحام وشدة التلوث والضغط الشديد على المرافق .. مع عدم توافر الخدمات التعليمية والصحية والمنشآت الصناعية والتجارية، والمناشط المتنوعة الأخرى والضرورية.

ويتشكّل وعي سكان هذه البيئة بطريقة لا شعورية من خلال تجربتهم الحياتية، ومن خلال احتكاكهم بهذه البيئة الشعبية العشوائية النوعية، فالعلاقة بالبيئة تحدد المسلكيات لأفرادها وتسمى هذه الظاهرة بمدى رد الفعل، وينتج عن رد الفعل تباين المهارات وتلون القدرات التي تظهر في ظروف بيئية مختلفة.

ويقول علماء الاجتماع إنّ الظروف البيئية التي يعيشها الإنسان هي تشكل وعيه، وتحدد سلوكه، وأن هذا الإنسان هو الفاعل الاندماجي في البيئة بحسب ما تعلمه، وما تكون لديه من مدركات لهذا التعامل.

ومن ثم فإنّ إدراك الإنسان لبيئته يتحدد به طريقة تعامله معها فهي ذات مواصفات بيئية خاصة، وتعتبر مثيرات يستقبلها بحواسه ويسجلها، ويتكون بها واقعه الداخلي وخبرته التي يتعامل بها مع البيئة والمجتمع.

وإزاء ذلك فهو يستمد من هذه البيئة كيف يمارس الأنماط السلوكية تجاه أفراد أسرته في محيطه الأسري وبيئته الطبيعية والمجتمع العام بما تشربه من أفكار ومعتقدات وأساليب معاملة تختلف في مكونات شخصيته.

إنّ إنسان هذه البيئة العشوائية يتفاعل - بالحتم - مع بيئته التي تتصف بالتدني وافتقار الحاجات الأساسية وعدم الرعاية، ولذا فهو يستقي اهتماماته، وأنواع الرعاية من بيئة فقيرة تعيش ظروفاً بيئية صعبة تفتقد في الغالب إلى أهم وسائل الرعاية والحماية، مما ينعكس أثره في بناء الشخصية كما أسلفنا القول في تشكيل أنماطه السلوكية والأخلاقية وتكوين قيمه واتجاهاته.

وفي غالب الأمر نجد أنّ الأسر التي تقيم في هذه الأحياء الشعبية والعشوائية تنتمي إلى الفئات الفقيرة في المجتمع مما يضاعف من خطورة البيئة الاجتماعية والفيزيقية حيث ينتشر العديد من الانحرافات السلوكية والمعايير السلبية نتيجة سوء الأحوال المعيشية والسكنية. وقد أكدت العديد من الدراسات أنّ هذه الأحياء ينتشر بها العنف والتوتر والمشاجرات، والسلوك الجنسي المنحرف، وارتفاع معدلات السلوك الغوغائي الهمجي بين أفراد الأسرة وأيضاً داخل المجتمع المحلي، حيث ضاعت فيه قيم الاحترام بين أفراد المجتمع نظراً لتدني المستوى التربوي، وعدم الالتزام بالقيم الدينية، فضلاً عن عدم وجود خصوصية في العلاقات الجنسية بين الأم والأب لضيق السكن وارتفاع كثافة الغرف، في الوقت الذي تعتبر فيه الخصوصية من أهم قيم الإسلام والسلوكيات التي تراعي آدمية الإنسان وتساعد على ترابط العلاقات بين أفراد الأسرة، كما وأنها تدعم من أساسيات القيم الأخلاقية السوية، فإذا ما فقدت الخصوصية في العلاقة الحميمة فقد معها العديد من المعايير الأخلاقية والإنسانية السليمة.

ويؤكد هذا نتائج العديد من الدراسات التجريبية على مدى ما انعكست بدورها على انتشار العديد من الانحرافات السلوكية بين أفرادها، وهناك دراسات أكدت على أنّ الظروف الموضعية والمستوى المادي والحالة الاجتماعية والواقع الثقافي ونمط العلاقات الاجتماعية في المجتمعات الهامشية، تدفع للمشاحنات بين الجيران والمشاجرات بين الشباب والسب والقذف بين النساء مع وهن في صور التكافل والمؤازرة والزيارات بين الجيران، وصور التواد والتراحم والتعاون بين الأهل مما له من أثر فاعل في الحياة الاجتماعية وإشباع حاجات أبناء هذه المجتمعات، مما يشير لأهمية التدخل المهني من قبل الأجهزة المعنية للعمل على إرساء القواعد والمعايير الأخلاقية لما لها من دور في سد الحاجات والغايات القيمية والضوابط، مما يؤثر بدوره في نماذج السلوك المرغوب فيه. إن هذه الأحياء الشعبية العشوائية الهامشية تحتاج لإعادة تنظيم عمراني توفير البنية الأساسية عملاً على الارتقاء بمستواها المعيشي وتوفير الخدمات الضرورية الأساسية التي تتمثل في الطلب على المدارس وفصول محو الأمية وإقامة مراكز صحية وأندية ثقافية واجتماعية ومراكز للتدريب المهني ومراكز لرعاية الأمومة والطفولة وهذا يتطلب تضافر وتكاتف أكثر من جهة كوزارة الشؤون الاجتماعية والبلديات ووزارة الصحة وإمارات المناطق وغيرها للنهوض بهذه الأحياء التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أي مدينة من مدن المملكة، كما وجّه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله - حفظه الله - عندما قام مع كوكبة من الفرسان من المسؤولين بزيارة بعض الأحياء الشعبية في مدينة الرياض والله من وراء القصد.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد