تحتار بين فان جوخ وراميرانت أو مالكي أيمن أو ذاك الضرير التركي أيهم أفضل وأمضى إبداعاً في الرسم والتشكيل لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو قوة التصوّر والتخيّل وفوق هذا براعة وإبداع في نقل ما يجول في الخيال والإلهام إلى لوحة مشاهدة للجميع وتخرج كمشاهد أيما كانت قدرتك في التذوق الفني باندهاش وإعجاب. هذا الانطباع الناتج عن مشاهدة بالعين لإلهام أو خيال فنان يظهر بشكل مختلف عن ذاك الانطباع الذي تخرج به بعد مشاهدة نشرة أخبار مصورة لأحداث دامية بين قناة فضائية وأخرى ولا يحكم ذلك كون ما تراه على القناة واقعاً لا صورة وحقيقة لا خيالاً وحدثاً لا إلهاماً ولكن يحكم ذلك ويؤثر فيه بشكل بالغ فن آخر من نوع مختلف، هو فن استخدام التقنية وفصاحة التبليغ بالخبر ومدى تجانس هذا وذاك مع مخزونات المتلقي الثقافية ووعية وهذا ما بدا اليوم طاغياً وظاهراً في المجالس وكثير من المقالات الصحفية التي هي أصلاً نتاج لما يتداوله الناس في أي مجتمع، ولعل هذا المقال أيضاً داخل في هذا الهم. وبعدما صار الفضاء صورة وخبر فإن التنافس اليوم بين الفنانيين أو قنوات الفضاء الإعلامية أصبح أيضاً في حاجة لفن وإبداع لكن المؤسف حقاً أن تدخل السياسة بما تحمله من كذب وتدليس ومراوغات وحيل إلى هذا الفن لتحيله إلى أن يصبح لساناً ويداً بدلاً من ذوق وإلهام فتحرم المتلقي من التذوق والتخيّل وتجعله أسير سطوة ساطٍ لا إلهام فنان، وإذا كان الفن والرسم منه خاصة يخاطب الروح ويهذبها فإن السطوة والإكراه المستفز يثمر اعتراضاً وتمرداً.
لست أدري لماذا تصر بعض وسائل الإعلام على استفزاز وجدان المتلقي ووعيه وكأنها تريد سلخة من ذاته وإعادة تكوينه بذات أخرى تتواءم والظروف السياسية وكأننا مجتمعات من الفئران للتجارب فتلقحنا بفيروسات تتناسب والتوجه السياسي دون أن يتوقف أحد ليسأل وماذا بعد ذلك؟.. وهل تمتلك العقول البشرية تلك القدرة التي يمتلكها ذاك الإعلامي القافز على جراح واقع المجتمع لكي تماهيه في القفز والنط؟.
ثم ماذا سيكون واقع حال المجتمع أو الامّة بعد أن تعود السياسة الموجهة لهذا الإعلام إلى ذات الوجدان والوعي الذي مورست فيه أقسى أنواع التجارب وحقن باشد وافتك الفيروسات؟.
لا شك أن الإعلام هو بمثابة الخيال للفاعل السياسي والملهم فيما بعد على وعي ووجدان المتلقي أو المخدوم بهذه السياسة لذا فهي أي وسائل الإعلام أصبحت فن تقني داخل في جملة الفنون الأخرى ومهما اتسعت مساحات الميادين التي يمارس فيها الإعلام المرئي أو المقرؤ أو المسموع فنونه وابداعاته فأن خطورته واحتمالية نتائجه تظهر أكثر حدّية وخطورة طالما لم يحكمه خيال وإبداع فنان يستلهم الصورة والخبر من بين طيّات الوجدان الجمعي.