من أكثر الأمور التي يكاد مجتمعنا لا يوليها من الاهتمام ما يوازي ويتناسب مع أهميتها، مسألة ما بعد الخروج من العمل الرسمي، المعرَّفُ صاحبها بأنه (متقاعد) وقد أدّى غياب ذلك الاهتمام بحالة ما بعد الوظيفة الرسمية، إلى وصفها بما هو من قبيل التلاعب اللفظي، الذي يُضحك على الرغم ما فيه من المرارة، جرياً على المقولة الشائعة (شر البلية ما يُضحك)..فقد قالوا: إن معنى (متقاعد): (اذهب إلى بيتك ومت فيه وأنت قاعد!) وهو قول نقبله على أنه من باب التّسرية على النفس، والخروج ولو مؤقتاً عن رتابة وجهامة الجدّ، بمثل ما نقبل أحياناً بعض التعليلات والتفسيرات لبعض المسميات الأجنبية باعتبارها عربية الأصل، مثل القول إنّ الأديب الإنجليزي الشهير شكسبير، هو عربي الأصل، هاجر إلى إنجلترا وان اسمه العربي (الشيخ زبير) ولكن رطانة الإنجليز أبت إلاّ أن تجعله (شكسبير).. وانّ (الإنفلونزا) المرض المشهور هو أيضاً عربي الأصل والمنشأ والولادة.. وإنما أطلق عليه المسمى الأجنبي الحالي (إنفلونزا) لأن سائحاً أجنبياً كان يزور بلاد العرب، وبيده مفكرة، يسجل فيها كل ما يصادفه، فمرّ بعنز يسيل أنفها فسأل مرافقه: ما هذا؟ فقال: أنف عنزة.. فشخّص الخواجة الحالة على أنّ ما أصاب العنز في أنفها وجعله يسيل، إنما هو مرض اسمه (إنفلونزا)..! وبمثل ما نقبل أحياناً أيضاً بعض التفسيرات الحرفية لبعض المسميات، بحيث لا تُسمى إلاّ بها، كإطلاق (سبعة فوق) على (سفن آب) المشروب المعروف!
ولكننا لا نقبل بحالٍ من الأحوال، أن يكون خروج الموظف من قيود الوظيفة، إلى رحاب فضاء الحرية الواسع في وقته يصرفه كيف يشاء، لا نقبل أن يكون ذلك بمثابة الخروج إلى النهاية المحتومة للحياة.. فكم من مرؤوس بالأمس القريب، أصبح اليوم رئيساً بعدما تحرر من قيود الوظيفة، وجمود لوائحها، وغباء الكثير من لوازمها، مع محدودية دخلها الذي ينقّط تنقيطاً في حلوق أصحابها، وأصبح وقته كله له، يصرفه كيف يشاء.
فالذين يعتبرون الوظيفة، هي الغاية وهي الدنيا، وانّ الخروج منها هو بمثابة الخروج من الحياة وفقدان الكثير من مميزاتها، ولوازم الرغبة في البقاء والاستمرار فيها، أولئك في الغالب الأعم، هم من لا طموحات لهم، والأسى عليهم لن يكون كبيراً، سواء ماتوا قاعدين أو واقفين!
وأمّا مسألة التمديد لمن بلغ السّن المقررة، إحالة من بلغها إلى التقاعد، فإن الأسف في أنّ الكثير من حالات التمديد لأولئك، لا يُراعى فيها جانب المصلحة العامة بقدر، ما تُراعى فيها المصلحة الشخصية للممدّد له، والذي يمكن تعويضه بعشرات، إن لم أقل: مئات من البدائل الشابة المؤهلة، والواقفة تحت أشعة شمس الانتظار الحارقة..!
والاستثناء الوحيد الذي يمكن أن يكون مقبولاً في هذه المسألة من وجهة نظري هو ما يتعلق بأصحاب الفضيلة العلماء، وأساتذة الجامعات، وبخاصة إذا كان تقدمهم في السّن، لا يزيدهم إلاّ تقدماً في اكتساب المزيد من المعرفة، والقدرة على العطاء، ويزيد ذلك تعيّناً: انّ الكثير ممن يُؤتى بهم في الخارج ليكونوا البدائل، لمن يُحالون إلى التقاعد من أساتذة جامعاتنا وعلمائنا، هم من قد يكونون محالين إلى التقاعد في بلدانهم!
إنّ بلداً مثل بلادنا تطغى فيه معدلات النمو السكاني، على الكثير من المعدلات المعروفة والمعتبرة عالمياً، وتتجاوز نسبة الأجيال الشابة فيه، كل النّسب العُمرية الأخرى، وتقف صفوف من أولئك فيه، في طوابير انتظار الوظائف الشاغرة، المشغولة بمن انتهت مدد شغلهم لها، لا يجوز بحالٍ من الأحوال، جعل الاعتبارات الشخصية السبب الوجيه لإعطاء الحق من لا يستحقه، وحرمان المستحق الحقيقي منه!
alansari1@hotmail.com