جولة - خليفة الخليفة
لا تزال زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز طيب الله ثراه لتشاد في فبراير عام 1973م عالقة في أذهان الإخوة التشاديين هناك فعند زيارته أمر ببناء مركز إسلامي أصبح بعد افتتاحه بعد الزيارة بسنتين معلما من معالم الثقافة العربية والحضارة الإسلامية في إفريقيا يتوسط قلب العاصمة إنجامينا، هذا المركز العملاق الذي زارته (الجزيرة) حيث يحتوي إضافة للمسجد مدارس وحلقا لتحفيظ القرآن والعلوم الإسلامية إضافة إلى أسواق تجارية مجاورة بنيت واعدت لتكون وقفاً خيرياً لهذا المركز ودعم أنشطته. كما أن الزائر لتشاد يلمس الغبطة والعرفان والمحبة التي يكنها هذا الشعب للمملكة قيادة وشعباً، ومشاعر المودة تجدها من كافة طبقات الشعب هناك فبرنامج سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز الإغاثي أدى دوراً كبيراً في تخفيف وطأة المعيشة على الفقراء والمحتاجين لما يقدمه من إسهامات بناءة في كفالة الأيتام وكسوة الأرامل وحفر الآبار وبناء المساجد وبناء المستوصفات وتوفير الأطباء.
حدثان مهمان:
فعن هذين الحدثين المهمين بتشاد يقول الشيخ عبدالله عبدالله نائب رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية في تشاد انه عند زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله إلى تشاد عام 73م أمر ببناء مركز إسلامي حضاري متكامل في قلب العاصمة التشادية يضم مسجدا ومكتبة ومدارس ملحقة به إضافة إلى أسواق ومبان وقفت لدعم هذا المركز. ويقول محمد سليمان احد العاملين بالمركز: لن ننسى تلك الزيارة التاريخية للملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز وكان نتاج هذه الزيارة دعم الروابط الإسلامية بين الشعبين وبناء هذا الصرح الإسلامي الذي ظل يؤدي رسالته الإسلامية من ذلك الوقت وقد ظلت المملكة تدعم هذا المركز وكان آخرها إعادة فرشه بأفضل أنواع السجاد في العام الماضي حيث وصلت طائرتان محملتان بالسجاد الفاخر من المملكة على نفقة سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز.
برنامج سلطان الخير الإغاثي
أما برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز الإغاثي فيقول عنه إبراهيم عيسى عضو الجمعية الخيرية بتشاد: ظل يؤدي دوره الإنساني النبيل في خدمة الفقراء والمحتاجين في مناطق تشاد المختلفة مثل كفالة الأيتام وكسوة الأرامل والضعفاء وحفر الآبار لتوفير مياه الشرب وبناء المساجد وبناء المستوصفات وتوفير الأطباء لمكافحة الأمراض وعلاج المرضى وتقديم الغذاء، إن ما نكنه نحن الشعب التشادي للمملكة من الحب لا يقدر بكلمات نتفوه بها فتشاد تمر بظروف معيشية صعبة وقفت المملكة معنا وقفة المسلم لأخيه.
وظل هذا البرنامج الإغاثي طوال السنوات الخمس الماضية يقوم بدوره الإنساني النبيل ونبتهل لله العلي القدير أن يشفي سلطان الخير ويجزيه خير الجزاء على ما يقدمه لإخوانه المسلمين بتشاد.
بين المدن:
عدسة (الجزيرة) لم تتوقف بالعاصمة نجامينا بل تجولت في أرجاء البلاد بعد اخذ تصريح بالمرور حسب الأنظمة المعمول بها هناك فبعد نجامينا مدينة درسنا ثم ناقرو فنجامينا بلالا ثم انبسطنا فايتيا ثم مانجو بالعابدية كانت الأجواء حارة جدا فالبلاد تمر بفصل الصيف وأشهر من الجفاف بقي الناس خلف ماشيتهم وأبقارهم يبحثون عن قطرات المياه الباقية يروون بها عطشهم وعطش ماشيتهم أو ما يطلقون عليها اسم (المال) فكثيرا ما يبتاعون ويشترون برؤوس البقر والذي تفوق إعداده أعداد السكان ويعتبر ثروة وطنية غالية إلى جانب الإبل وفي هذا الوقت من العام يقوم الأهالي بتجهيز ما تنبت الأرض من الغلة (الذرة) ليقتاتوا عليه طوال العام مع الاستعداد لموسم الأمطار وكما يسمى هناك بالخريف والذي تستمر معه الأمطار إلى ما يقارب الخمسة أشهر متواصلة معها تخضر الأرض وتكتسي حلة الجمال بجداول المياه والعشب الذي يصل ارتفاعه المتر يضل باقي السنة علفا لهذه الماشية الكثيرة والزائر لتشاد لن يجد صعوبة أو مشاكل في التنقل هناك فالتشاديون بطبعهم شعب ودود ولطيف ومتدين.
عادات وتقاليد
الكثير من الأهالي لديهم معتقدات راسخة بالتمائم المعلقة على صدورهم وإيمانهم أنها تنفعهم وتجنبهم المخاطر جهلا منهم واتباعا لأصحاب البدع ممن يسمونهم الأولياء أو الفقهاء وقد تتراوح قوة هذه التميمة حسب زعمهم حسب قوة الولي وقد اثبت لبعض المرافقين بالدليل القاطع أنها لا تنفع ولا تضر حيث يعتقدون أن من يعبث بها يصاب ويموت فلم نجد بدا من إتلاف بعضا من تمائم مرافقينا لنؤكد لهم خرافة ما يعلقون على صدورهم.. وإلى جانب هذا نجد حلق القرآن في الطرقات تجمعات من الصغار والكبار يتدارسون القرآن حتى إن قبيلة في منطقة تسمى بحر الغزال تتسمى بالقرآن نظراً لكثرة الحفظة بها لكتاب الله.
وأثناء مرورنا بالقرب من محافظة مانجو وعلى الطريق الرئيس شاهدنا مجموعة كبيرة من الرجال والنساء بلبساهم النظيف تتوجه إلى منطقة ماء فالنساء تحمل على رؤوسها أنواعا من المأكولات والرجال يحملون السلاح الأبيض توقفنا عندهم قليلاً لنكتشف أنه أحد العرسان يحتفل بزفافه متوجها إلى أهل العروس يصطحب معه أقاربه وأهل حيه باركنا لهم وواصلنا مسيرنا. وأثناء تجولنا بالصحراء وأثناء استعدادنا للمبيت قدم ألينا اثنان من فرسان إحدى القبائل العربية وتسمى قبيلة (حميد) فسلما وشاركونا العشاء واخبرونا أنهم من إحدى القبائل العربية المهاجرة من اليمن منذ مئات السنين وطلبوا من مشاركتهم فرح أحد أبنائهم غدا فاستفسرنا عن موعد الفرح لنشاركهم فكان بعد الظهر وعند قدوم سياراتنا إليهم استقبلونا بالخيل والإبل وطلبوا أن نعطيهم فرصة بنقل العريس على أحد سياراتنا فالسيارات بالصحراء لا وجود لها نهائياً فرحبنا بذالك وشاركناهم الفرح وزفة العريس كانت كرنفالاً كبيراً شاركت فيه الخيل والإبل فالكثير من الشبان صعدوا إلى أعلى سياراتنا فاستقبلونا أهل العروس بالزغاريد وتم تقديم الهدايا من قبلنا للعريس والعروسة وأقاربهم وتم نقلهم بجولة داخل السيارة. لكن العجيب هو صغر العروسة فلم تبلغ العاشرة وعند سؤالهم عن ذلك اخبرونا أنهم يتبعون سنة محمد وهذه طريقتهم بالزواج فلا يوجد بنت تتعدى العاشرة دون زواج إلا ما ندر.
موارد المياه والصيد
في هذا الفصل من العام ترتفع درجة الحرارة وتجف أماكن تجمع الأمطار فلا يكون هناك مصدر للمياه إلا هذه الآبار البدائية المحفورة في جوف الأرض وتصل إلى أعماق الثلاثين مترا ويستخدم الدلو أو (السقى) في استخراج الماء بواسطة الحيوانات من البقر والإبل وهناك من يعمل أجيرا فقط لاستخراج الماء من هذه الآبار وكثيراً منها تعتبر قديمة وتكثر عليها الماشية والناس إلى جانب بعض الآبار المحفورة حديثاً وحجزت بالاسمنت لتبقى نظيفة قام بها محبو الخير من المملكة والخليج إلى جانب ما يقوم به برنامج سلطان الإغاثي.
ولكل هاو غنيمة ومن غنائم هذه الرحلات المعرفة والاستكشاف ومعرفة البلاد والاطلاع على أحوال الناس وممارسة الهواية المحببة والصيد هواية سرت في دماء الكثير من أبناء المملكة ونحن أعضاء فريق الرحلة منهم خلال تجوالنا هناك اقتطعنا جزءاً يسيراً من وقتنا لزيارة الغابات والصحراء وأماكن تواجد الصيد بهما ففي الغابة استدللنا على أماكن الصيد من بعض أهلها قضينا وقتا يسيرا بين حيوانات الغابة وكان سيدها الضبع بصوته المزعج ليلا وبين الغزال الراتع تحت أشجارها وطيورها المختلفة والمتنوعة وفي الصحراء كانت المتعة أكثر وراحة النفس أبهج فقد تعودنا على الانفتاح بالأفق ومد البصر وغنمنا من ألذ أنواع الصيد طعما وأندر صيد طائر الحبرو الكبير بوزنه إلى جانب الغزال والأرنب والقطاء، صيد وتجوال وتنقل دام أربعة عشر يوما لم نبت يوما في مكان ليلتين، لم نجد ما يعكر الصفو من أبناء ذلك البلد بل يقتربون منا ليشاركونا طعامنا ويأخذوا ما تجود به أنفسنا لهم حسب استطاعتنا في رحلة عبر أراضي تشاد قطعنا بها 2000كم من التجوال ومعرفة واكتشاف البلاد.