اسم الكتاب: Last lion
المؤلف: Peter S Canellos
الناشر: Simon AND Schuster
لم يحدث أن تعرض سياسي أمريكي للتشويه والمتابعة والتحليل على كافة مستويات وسائل الإعلام مثلما تعرض تيد كنيدي. وفي هذا الكتاب الذي أصدره مؤلفه بعنوان: (الأسد الأخير) يقدم مؤلفه عرضا لحياة هذا السياسي الأمريكي بكل تفاصيلها، مع استعراض لآراء الكثيرين من معاصريه وغيرهم لدعم ما يورده في كتابه من معلومات عن سيرته.
ويقول المتابعون إن تشويه السمعة هذا الذي فاضت به وسائل الإعلام لا يمكن أن يكون بلا دليل أو أساس. فقد كثرت المقالات في كافة المجلات والصحف عن ميله الشديد لإشباع رغباته، وتصرفاته الصبيانية التي كان يحاول من خلالها الهروب من تبعات أخطائه ومداراتها. وقد اتخذ منافسوه السياسيون من رقة مشاعره التي تنم عن نزعته الإنسانية، وتجربة زواجه الفاشلة، وغيرها من الأحداث التي تعرض لها، وسيلة لمحاربته.
ورغم كل ذلك اشتهر كنيدي بكونه من السياسيين البارعين والمشرعين ذوي الفاعلية والكفاءة العالية، واستطاع تحرير نفسه من توقعات الآخرين حول مستقبله السياسي، وكون لنفسه شخصيته السياسية المستقلة، ونجح في تطوير سلوكه والتخلص من مظاهر الطيش وحماقة الشباب ليتحول إلى رمز يشهد له الجميع بالحكمة والالتزام. وها هو يستأنف حياة جديدة أكثر استقرارا مع زوجته الثانية فيكتوريا ريجي، التي أحبها كثيرا، وأدى دوره تجاه أسرته على أفضل وجه، وحين تدهورت صحته علق آماله التحررية على باراك أوباما، الذي شبهه الكثيرون بأخيه جاك.
ويفسر موقفه هذا باهتمامه بموضوع تحسين الصحة، وهو من أهم أولويات الرئيس الأمريكي أوباما. فقد كان كنيدي والد لطفل مصاب بمرض السرطان، وكان يقضي ساعات طويلة في المستشفى ويتحدث إلى الكثير من الآباء، ما أتاح له التعرف على أهم المشكلات الصحية التي يعاني منها غير القادرين ماديا.
وكنيدي هو أصغر إخوته، وأقلهم أملا في تحقيق الطموحات والآمال التي يضعها الآباء على عاتق أبنائهم، ولم يتوقع له أن يصل إلى ما وصل إليه، غير أنه بدأ تأسيس حياته السياسية في الوقت الذي وصل فيه منتصف العمر، ليصبح أقوى أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي في النصف الأخير من القرن العشرين وراعيا من رعاة التحررية التقليدية. وهو من أنجح إخوته أكاديميا كما يتضح ذلك من سيرة حياته، وعلى الرغم من ذلك شهد مآسي كثيرة في حياته، وعانى من الكثير من الضغوط التي لم تعرض لها أي من إخوته، حيث وجد نفسه وهو في السادسة والثلاثين من عمره محط آمال وطموحات جيل كامل ظل يتوقع منه أن يعطي لشعبه الثقة بأنه سوف يتحدى كافة ما يواجههم من مشكلات، ويبني لهم مجتمعا أكثر عدالة سواء داخل الوطن أو خارجه.
وعلى الرغم من الحاشية الكبيرة من المستشارين وأهل الثقة الذين اعتمد عليهم في اتخاذ قراراته إلا أن قراراته تلك لم تكن صائبة في كل الأحيان. فقد كان تحديه لجيمي كارتر - الذي كان رئيساً منتظراً في نفس الحزب الذي ينتمي إليه كنيدي - في عام 1976م سبباً في كارثة محققة له في بداية الأمر، ثم لكارتر نفسه فيما بعد. ويلاحظ مؤلف الكتاب أن كنيدي لم يكن سريع التجاوب في أثناء الحوارات التي كانت تجرى معه، مستنتجا ذلك من مشاهدة تسجيل لمقابلة تلفزيونية أجريت معه في عام 1976م، التي بدا فيها عدم اتساق حديث كنيدي في توضيح آماله بالنسبة للرئاسة.
ورغم ذلك يلاحظ المؤلف أنه تحدث بطلاقة في حضور جمهور مألوف لديه، مثل حديثه في إحدى فعاليات المؤتمر الديمقراطي في عام 2008م، التي عبر فيها عن آرائه بطريقة أثبت بها قدرته على التأثير في مستمعيه. فعلى الرغم من أنه كان معتلا صحيا إلا أنه تحدث ببراعة متناهية أمام الجمهور تشجيعا لترشيح أوباما.
وعلى أي حال مارس كنيدي نفوذا كبيرا من الناحية التشريعية، راعيا خلال السنوات الست والأربعين التي قضاها في مجلس الشيوخ الأمريكي حوالي 2500 مذكرة ومشروع قانون، أصبح منها 300 مشروع على الأقل قوانين سارية. ويشبه بعض المحللين كنيدي بدانيال ويبستر، وهو سياسي من نيو إنجلاند عاش في القرن التاسع عشر، وأمضى أربعين عاما من حياته في العمل السياسي دون أن يتولى الرئاسة. وتشير هذه الحياة السياسية الطويلة لتيد كنيدي، التي تشبه في طولها الحياة السياسية لبيل كلينتون، واختياره عاما بعد عام في عضوية مجلس الشيوخ، أن الناخبين الأمريكيين لا يهمهم الحياة الشخصية لمن ينتخبونهم أكثر من اهتمامهم بما سوف يحققونه لهم.
والكتاب في مجمله سرد للسيرة الذاتية لتيد كنيدي، تناول فيه المؤلف حياته الأسرية وإنجازاته التاريخية وقدرته على تصحيح مسار حياته ليعود إلى حالة الاستقرار النفسي من جديد. وهو يبدأ تناوله لحياة الرجل بالحديث عن حياته أثناء معاناته من مرض السرطان في عام 2008م، ومن ثم يعود إلى الوراء للحديث عن طفولته والتحاقه بالخدمة العسكرية، ثم أيامه في مدرسة الحقوق، وعمله محاميا مع أخيه جاك، وكفاحه من بعد للحصول على منصب عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي، وفوزه الأول في انتخابات عام 1962م، الذي ابتدر به سلسلة من عمليات إعادة الترشيح.
ويتضح من خلال استعراض فصول الكتاب أنه لا يقدم معلومة جديدة لم تكن معروفة من قبل، كما أن مؤلفه لا يعتمد على حوارات جديدة يجريها معه، بل هو بمثابة تجميع وإعادة ترتيب لبعض المعلومات والحوارات المبعثرة هنا وهناك، مما أتيح للمؤلف من المقالات المنشورة بالصحف والمجلات، والمبثوثة عبر البرامج التلفزيونية، وغيرها من المواد التي تدور حوله. وهو لا يركز بصفة خاصة على حادثتي اغتيال كل من الرئيس جون كنيدي والسيناتور روبرت كنيدي، غير أن تأثير هاتين الحادثتين على تيد كنيدي على المدى الطويل كان كبيرا، وبقيت ظلالهما عالقة بذهن أخيهما الأصغر طوال حياته.
ومن الموضوعات التي يسلط الكاتب الضوء عليها بشكل أكبر لطف تيد كنيدي وكياسته وحسن تعامله مع زملائه من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي وقدرته على سن التشريعات، وخاصة في السنوات العشر الأخيرة من حياته السياسية، حيث يقول: (إن الجري وراء الرئاسة لم يعد هدفي في الحياة، ولكن الخدمة العامة هي ما أبحث عنه الآن). ويقول عنه باراك أوباما: (إنه شخص كافح من أجل التصويت للحق وتثبيت الحقوق المدنية عندما كنت أنا طفلا، وأنا الآن أستند على كتفيه).
لذلك كله يعتبر هذا الكتاب نتاج جهد كبير يأخذ فيه مؤلفه موقفا وسطا بين أولئك الذين يركزون على الجوانب السلبية من حياة كنيدي وهؤلاء الذين لا يعرفون له عيبا.