القارة السمراء.. دعوة مخلصة لوقف المعونات!
اسم الكتاب:
المؤلفة: Dambisa Moyo
الناشر: Farrar, Straus and Giroux
من الحقائق المتعارف عليها أن الدول الغنية تبرعت في الخمسين عاما الماضية بمبلغ يصل إلى تريليوني دولار في شكل معونات للدول الأفريقية. والتساؤل المهم الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ساعدت تلك المعونات في تحسين حياة الأفارقة؟ والإجابة على ذلك في رأي بعض الخبراء هي أن هذه المعونات لم تسهم في تحسين حياتهم، بل العكس هو الصحيح، أي أن حالهم قد تحول إلى الأسوأ.
وتستعرض مؤلفة الكتاب الذي نقدم له هنا الأوضاع السائدة في فترة ما بعد الحرب في القارة الأفريقية اليوم، ومن ثم تتحدى بقوة إحدى المسلمات التي تعتبرها أسطورة كبرى، وهي الاعتقاد بأن بلايين الدولارات من المعونات التي ترسلها الدول الثرية لأفريقيا لها دور في المساعدة في تخفيف حدة الفقر ودفع عجلة التنمية في القارة السوداء، غير أن الحقيقة في نظر المؤلفة هي أن معدلات الفقر في تصاعد، وأن معدلات التنمية مستمرة في التدهور بانتظام، ومعه معاناة الملايين. وترسم المؤلفة صورة واضحة لذلك لدى مقارنتها بين الدول الأفريقية التي قطعت على نفسها طريق استلام المعونات ورغم ذلك ماضية في الازدهار، وتلك التي استمرأت حالة التواكل والاعتماد التام على المعونات، ورغم ذلك ازدادت بها حالة الفقر.
وتلقي المؤلفة المزيد من الضوء على أسلوب الاعتماد الزائد على المعونات من حيث إنه يضع تلك الدول في دائرة مغلقة من التواكل والاعتمادية والفساد والاضطراب في أحوال السوق، تاركا هذه الدول في حالة لا تستطيع معها سوى طلب المزيد من المعونات. ولذلك فإن المؤلفة تنتقد النماذج السائدة المتعارف عليها من المعونات العالمية التي يروج لها في حفلات هوليود وعروض صناعة السياسات، وعوضا عن ذلك تقدم خارطة طريق جديدة لتمويل الدول التي تعاني من الفقر الشديد، بحيث يضمن لها هذا التمويل تنمية اقتصادية ناجحة، وانخفاضاً واضحاً في معدلات الفقر، دون الاعتماد على المزيد من المعونات أو المساعدات المعتمدة على المعونات. لذا يمثل هذا الكتاب نظرة متفائلة وتحدياً قوياً للافتراضات والحجج التي تساند مثل هذه السياسة التنموية في أفريقيا، وخاصة تلك المنطوية على أساليب خاطئة، كما تدعو إلى نظرة مليئة بالأمل في التعامل مع حالات الفقر المدقع التي تضرب الملايين.
وفي إطار تحليلها للأوضاع التي سادت في الخمسين عاماً الأخيرة، وما قدمت فيه من معونات للدول الإفريقية من دول مثل الولايات المتحدة، تصف المؤلفة جرعة علاجية ناجعة لإصلاح الأوضاع الخاطئة التي أدت إليها هذه المعونات، بصفتها من زامبيا وباحثة في الاقتصاد ومستشارة سابقة في البنك الدولي. ويتركز هذا العلاج في وقف تيار المعونات المالية التي على الرغم من أنها قد تنطوي على الكثير من النوايا الحسنة، إلا أنها تنطوي أيضا على آثار جانبية، مثل توليد نوع من الفساد الحكومي والتواكل بين صفوف المواطنين، بالإضافة إلى الأهداف التي قد تستتر خلف تلك المعونات، إذ تحاول الدول التي تقدم المعونات السيطرة على أسواق الدول المتلقية للمعونات حتى تصل هذه الدول إلى حالة توصف بحالة السوق المقتول. لذا تطرح المؤلفة بديلا آخر أفضل من ضخ المعونات دون تخطيط سليم، وتتلخص فكرتها في استثمار المعونات المقدمة بحيث تخدم اقتصادات تلك الدول. وتقول المؤلفة: إن سياسة الاستثمار التي تنادي بها، على الرغم من صعوبتها، نجحت في تنمية اقتصادات بعض الدول الفقيرة مثل الأرجنتين والبرازيل، غير أنها تتحدث عن وجهة نظرها بصفة عامة، دون الإشارة إلى دولة بعينها، بتركيز نظرها في الاتجاه المضاد للمعونات الغير هادفة، والإشارة إلى هذه الدول الناجحة بقدر من الاحترام.
وقد يذهل الكثيرون عند تلقيهم لوجهة نظرها في قضية المعونات الموجهة لأفريقيا لأول مرة، حيث إنها لا تصف هذه المعونات، التي تقدم في شكل صدقات، بعدم الفاعلية فحسب، بل ترى أن عدم تقديمها أفضل. وقد تكونت لديها هذه الرؤية حين انضمت لعدد من الباحثين في مجال الاقتصاد، ومنهم الخبير البنغالي المعروف محمد يونس، الذين أجمعوا على أن مثل هذه المعونات لا تنتج سوى نوع من الإعاقة للشعوب الأفريقية، ولا تؤدي إلى تغيير إيجابي. وبناء على ذلك تقدم المؤلفة مقترحات يمكن أن تثمر حلولا لأوضاع الدول الفقيرة، مثل إنشاء رابطة أسواق جديدة، وتمويل المشروعات الصغيرة، كما أنها تشيد بالعديد من التجارب التي كتب لها النجاح في مجال التنمية الاقتصادية، مثل تجربة الصين، وتدعو إلى الاقتداء بها مستقبلا.
فإفريقيا تحمل بين جوانبها خليطا من الفقر والصراعات والمآسي، ما يجعل محاولات المستثمرين الذين يبحثون عن فرص لتطوير اقتصادات دولها منطوية على الكثير من المخاطرة. ورغم ذلك تقول المؤلفة إن واجبنا الأخلاقي يدعونا للوقوف مع هذه الدول، مستدركة أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي، وأن الطريقة السليمة لمساعدة الدول الإفريقية الفقيرة تكمن في تبني السياسات التي تساعدها وتنهض بها، دون أن تسبب لها الإعاقة على المدى الطويل، أو تترك اقتصاداتها في حالة خطر وإحباط على النحو الذي فعله بها الغرب رغم عدم تعمده ذلك بالطبع. فهو قد تبرع بتريليوني دولار لدول العالم الثالث، ذهب معظمها لإفريقيا كما تقول المؤلفة، غير أن هذه المساعدات لم تكن قليلة الفاعلية فحسب، بل كانت مكبلة للإنتاجية في تلك الدول.
وترى المؤلفة أن الكثير من هذه التبرعات ينطوي على النفاق والمراءاة، مثل تبرع أصحاب المشروعات الضخمة للمزيد من الشهرة، وتبرع نجوم الفن. ولا نستطيع لوم المؤلفة على هذه الرؤية، وخاصة عندما نضع في اعتبارنا أن هدفها هو التركيز على النتائج السلبية لما يطلق عليها المعونات المقدمة لدول العالم الثالث.
وقد استعرضت في كتابها هذا الكثير من الأعذار التي يلتمسها بعض من يحاولون تبرير فشل الدول الفقيرة في التطور والنمو، ومنها الاستعمار وقلة الثقافة والموقع الجغرافي وغيرها. وعلى الرغم من تباين تلك العوامل من دولة أفريقية لأخرى ترتكن هذه الدول في مجموعها إلى المعونات الأجنبية التي فشلت في تحقيق أي قدر من التنمية. وتقول المؤلفة: إن التحقق من ذلك لا يتطلب تحليلات إحصائية معقدة، ذلك أن الملاحظة العادية تؤكد أن معدلات الفقر في تزايد في الدول الإفريقية رغم زيادة المعونات المقدمة لها في السنوات الأخيرة.
وتكمن المشكلة الكبرى في فساد حكومات تلك الدول، التي لا تعترف بحكم القانون، وتمثل عائقا بين الشعوب وآمالها في تحقيق التنمية بوقوفها حائلا دون إنشاء مؤسسات مدنية ذات شفافية تحمي الحريات المدنية، مما يجعل الاستثمار المحلي والأجنبي في الدول الفقيرة أمرا لا ينطوي على أي جاذبية للمستثمرين. فالتعتيم الذي تمارسه الحكومات الظالمة، وندرة الاستثمارات في الدول الفقيرة، يسهمان في خفض وتيرة التنمية الاقتصادية، ما يؤدي بدوره إلى فرص عمل أقل، ومعدلات فقر أعلى لا تجدي معها زيادة نسبة التبرعات. ولذلك فإن المؤلفة تخلص إلى أن أسلوب تقديم المعونات لا ينتج سوى المزيد من الخنق لأي محاولة للاستثمار، والمزيد من الاعتمادية والتواكل.
وتكمن نقطة البدء في مساعدة دول العالم الثالث، في رأي مؤلفة الكتاب، في التوقف عن التظاهر بأن نموذج التنمية المبني على المعونات سوف يخلق تنمية اقتصادية حقيقية في أكثر دول العالم فقرا. وتقترح عوضا عن ذلك فكرة إخبار تلك الدول بأن معونات الدول الغنية سوف تتوقف لمدة خمس سنوات مثلا، بدلا من مباغتتها بإيقاف المعونات كليا. في هذه الحالة سوف تتحسن الحياة الاقتصادية بالنسبة للدول التي تتحرر من المعونات، وينهار الفساد الحكومي، ويتاح للمستثمرين فرصة متابعة مشروعاتهم دون خوف، وتبدأ عجلة التنمية الأفريقية في التحرك، مما يمنح الأفارقة حياة أفضل ويحررهم من القيود التي تكبل جهودهم في تحسن مستوى المعيشة.
وتقول المؤلفة بأن المانحين أنفسهم وصانعي السياسات والحكومات الغنية والأكاديميين وأخصائيي الاقتصاد والتنمية يعلمون في قرارة أنفسهم بأن التبرعات لم تكن مجدية من قبل ولن يكون لها جدوى في المستقبل، ولكنهم لا يبوحون بذلك. ولذلك قررت أن تكشف النقاب عن هذه الحقيقة، وأن تنير بذلك الطريق إلى الأمام، حيث إن كسر دائرة التبرعات الوهمية قد يتيح الفرصة في خاتمة المطاف لاتخاذ الخطوات السليمة. وقد تستمر المشكلات السياسية والاجتماعية متزامنة مع تلك المحاولات، فالنجاح ليس سهلا، إلا أن المحاولات المستمرة في الوصول إليه لابد أن تثمر في النهاية.