أبا منصور: ما أردت بهذه الكلمات أن أحزنك، ورائحة الرحيل لا زالت تملأ طبقات الجو لديك، ويداك ما برحت معفرة بالتراب، بعد أن اختار الله إلى جواره ابنتك (زينب). تاركة لك مرارة الوداع، وطعمه المر الذي يكاد يفتك بالنفس.
يوم خطرت لي فكرة كتابة هذا المقال، عز علي أن يتوقف قلمي عن الرثاء بعد قراءة مقالك: (دمعة على ابنتي). الممتلئ بصور الألم والفقد، فكتبت تلك الكلمات الباكية وسطرت تلك العبارات الشاكية. وترددت كثيرا وتساءلت كما تساءلت: (ما أسرع الزمن). أمن الممكن أن تدور عجلة الحياة بأحداثها وحوادثها سريعة ومفاجئة، لتقف بنا عند فجيعة الموت التي عشتها في أعز أحبابك، وممن يحتلون سويداء قلبك، فتطوي تلك الأحلام، وترحل إثرها الأيام على وقع آلام، أفرغت لنا فيضا من صفعات الدنيا، ورسمت لنا صورة متمردة من جراحاتها.
إنها لوعة اللحظة التي تتشقق فيها الأوراق البيضاء، وتتكسر الأقلام، وتنهض الكلمات مزدحمة ترسم في عينيك أمل، وعلى شفتيك صوت بعد أن غابت الدنيا عن عينيك، وحضرت الآخرة في قلبك، فتشعرنا أنك تواسينا لا نحن.
كان من حسن حظي أن جلست في المساء لأكتب هذا في ذكرى ابنتكم الغالية، فتداعت لي تلك الخواطر من أفاق النفس البشرية. وكان هو ذاته اللحن الجنائزي العميق، الذي لا يقبل الفداء، ولا يسمح بالإرجاء، ومع هذا يستبطئه الإنسان، وما يدري أنه يسرع بخطاه إلى ورود حياض المنايا. فتتوقف الأنفاس، وترحل إلى عالمها الآخر دون توقف.
وعندي أن أفضل هدية لكم، وابنتكم في رحاب ربها، قول الله - تعالى -: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}، فسلام على روح ابنتكم الطاهرة في حضورها الماثل في ذاكرتكم دائما. وإن كنت أكتب، فإني أكتب للنبل والمروءة التي كانت ولا زالت عنواناً لك، ولطالما حدثني والدي عنها. فالعزاء كل العزاء لك ولأسرتك الكريمة، التي أجدت رعايتها ومهدت تربيتها.
drsasq@gmail.com