فقدت ثرمداء واحداً من رجالها وأبنائها البررة وأحد أعلامها البارزين في ليلة لم تكن كسائر الليالي، ليلة أفل عنها القمر وتوشحت بالسواد عندما نزل الخبر علينا مفزعاً ومفجعاً، لقد مات الرجل الطيب السمح البشوش الذي كنا ندعو الله أن يشفيه ويكشف ما به من ضر حل به وذلك بعد معاناة مع مرض لم يمهله طويلاً.. جعله الله له كفارة وطهوراً ولكن القدر كان أسرع والأجل أقرب والله غالب على أمره، ليلة بات كل من عرفه حزيناً متألماً، بدأت الاتصالات والرسائل تتوالى مؤكدة نبأ الوفاة فأصبح الخبر متواتراً - الله المستعان - لقد رحل عن دنيانا الفانية وسبقنا إلى آخرة باقية وجنة عالية بإذن الله تعالى، نسأل الله أن تكون لنا وله خير دار وحسن جوار ونجاة من النار إنه سميع مجيب، إنه الشيخ المربي الفاضل والمؤرخ والأديب أبو إبراهيم سليمان ابن إبراهيم بن محمد الدخيل رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ووالدينا والمسلمين أجمعين. انتقل إلى جوار ربه شيخنا الكريم، الرجل الذي عرف عنه حب الخير للغير والإصلاح بين الناس وعطفه على الفقراء والمساكين، فما زلت أتذكر كلماته ونصائحه قبل مرض موته بأيام - رحمه الله - فما زال صداها يرن في أذني، يا الله كم هي دنيا حقيرة لا تساوي عند الله شيئاً ونحن نعظمها ونتنافسها، بدأ شريط الذكريات يمر في مخيلتي سريعاً رحلات الصبا في التسعينيات الهجرية إلى مكة والمدينة والمدن الساحلية أم رحلات إلى البر معه وأبناءه وأبناء أخيه رحم الله الجميع أم صوته في مسجده إماماً والذي استمر قرابة الثلاثين عاماً، ذلك الصوت الندي الذي لم يعرف التكلف بقراءة القرآن فقد كانت قراءته قراءة الأولين والمعاصرين من مشائخنا وعلمائنا التي تخرج الآيات من صدورهم إلى قلوب سامعيهم صادقة مؤثرة خاشعة، هل أتكلم عن خلقه وتواضعه الجم مع الصغير والكبير وأريحيته أم زهده وورعه ماذا عساني أن أقول في رجل حاز هذه الخصال الحميدة اللهم لا تحرمه أجرها، رجل أعماله تسبق أقواله فقد عمل وعلم في مجال التعليم سنين طويلة قاربت الأربعين عاماً ساهم في نهضة التعليم في بلادنا وتتلمذ على يديه نخبة من أهل العلم والمعرفة تسنموا مناصب ومراكز عليا في قطاعات كثيرة في الدولة وكذلك أعماله في مجال الخير والبر فله أياد بيضاء شاهدة له على ما قدم جعلها الله في موازين حسناته يوم يلقى ربه، فقد ترك فراغاً وثلمة لا تسد وانطفأ نور كان يضيء في الدجى فقد كان عميد أسرتنا أسرة آل يوسف عوضنا الله فيه خيراً وأخلفه علينا بالرجال المخلصين من أسرتنا المباركة فهذه بعض مناقب فقيدنا وغاب عني أكثر من ذلك، وله كتاب قد بدأ في تأليفه يحكي واقع ثرمداء بين القديم والحديث لم يمهله الأجل لإكماله نتمنى من أحد أبنائه إكمال مشوار والدهم في إصدار ذلك المؤلف وأن يرى النور قريباً تخليداً لذكراه، اللهم ارفع درجاته في المهديين وأخلفه في عقبه في الآخرين واجعل منزلته مع الصديقين والشهداء ونسأل الله أن يحسن عزاءنا وعزاء أهله وأبنائه وقرابته وكل مصاب فيه وأن يربط على قلب زوجته ورفيقة دربه أم ابراهيم المرأة الصابرة الحامدة الذاكرة التي لم تلطم خداً ولم تشق جيباً ولم ترفع الصوت نائحة عليه، وإن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا أبا إبراهيم لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وعزاؤنا وسلوانا وما يخلف حزننا ومصابنا ثناء الناس عليه وذكرهم الحسن له فهذا بإذن الله عاجل بشرى المؤمن فقد بكى عليه الصغير والكبير، وشيعه خلق كثير في الرياض وفي مسقط رأسه ثرمداء توافدوا من كل مكان، رحمه الله رحمة واسعة نسأل الله أن يشفعهم فيه، فقد كتبت عن أبي ابراهيم عرفاناً ووفاء لهذا الشيخ الوقور الذي يحبه كل من عرفه فهذا بعض حقه علينا ولست خيراً ممن يكتب عنه - رحمه الله - وفي الختام نسأل الله أن يرحم موتانا وموت المسلمين أجمعين وأن يجمعنا بوالدينا وأحبابنا في جنات النعيم جنات المأوى في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
- ثرمداء