رجل من رجالات الوطن المخلصين، نذر نفسه وسخر ماله وأعد منزله في بلاد بني بشر بمحافظة سراة عبيدة ليكون متحفاً ومزاراً لكبار الشخصيات والكثير من الناس ممن يسوقهم الشوق لزيارة متحفه الذي هو جزء من متحف الوطن الكبير.. إنه الأستاذ محمد أحمد معتق من رجالات التعليم، الذي حمل على عاتقه استمرار رسالة التعليم ليقدم الدرس لأبناء وطنه في تقديم التراث وتعريفهم بالموروث الشعبي في مجال الصناعة والتجارة والزراعة وعرض الكثير من الصور لكثير من الشخصيات ومشاهد لبعض النواحي من قرى ومدن في عسير وفي فترات مختلفة تشد المشاعر نحو أزمنة كانت.
لقد جمع الكثير من الأواني الفخارية والأسلحة والوثائق والمخطوطات والوثائق التي أظهرت كيف كان الناس ينظمون عاداتهم وتقاليدهم في الأفراح وفي إقامة مخيمات الأعزية وكيف كانوا ينظمون علاقاتهم التجارية وجوانب من حياتهم كالتزام اجتماعي وأعراف تقليدية تحترم من قبل الجميع رغم بساطة الحياة آنذاك، لكن كانت القيم هي السائدة بدون مظاهر زائفة. كما أن ابن معتق جمع كل ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية الوثيقة التي كانت تبرز في استقبال الضيوف وفي مناسبات الزواج وفي مناسبات الأعزية وما يتعلق بالديات وتدافع الناس إلى معاونة بعضهم حتى المساعدة في بناء البيوت (الحصون) وتسمى (القصور) في نواحي أخرى من منطقة عسير.
إن متحف الأستاذ محمد معتق يعد نافذة على الماضي، لكنه نافذة على الحاضر كذلك، ويجب أن يقف عندها أجيال اليوم ليطلوا منها على ماضيهم وكيف عاش الآباء والأجداد وكيف أنهم عانوا شظف العيش وقسوة الحياة لكنهم كافحوا وناضلوا وجاهدوا وشاركوا ولاة أمر هذا الوطن الجهاد من أجل بناء وحدة وكيان هذا الوطن العزيز الغالي علينا.
وأن يعتزوا ويفخروا بوطنهم وماضيه فمن لا ماضي له لا حاضر له ومن هذا لينطلقوا ليبنوا حاضرهم وحاضر وطنهم ويسهموا في بناء أمجادهم من منطلق المواطنة الصادقة ومن منطلق أن تراث الآباء والأجداد وتاريخ هذا الوطن وماضيه ومقدراته ومكتسباته وخيراته لم تأت عبثاً وهي أمانة في أعناقهم يجب أن يرعوها ويحافظوا عليها.
ويجب أن يلفت نظرهم إلى ما يحدث في جميع الدول في العالم وفي الدول المجاورة لنا، على سبيل المثال ما يحدث في الصومال والسودان واليمن وفي العراق وفي فلسطين بيد الإنسان وما يحدث من كوارث طبيعية كما حدث في الصين وإندونيسيا وفي بنجلاديش يفترض أن هذه الأحداث وغيرها أن يتعرف عليها الصغار والشباب ليعرفوا قيمة وطنهم وما ينعمون فيه من أمن واطمئنان ورضا ورفاهية يجب أن تزيدهم إيماناً وتقوى وتماسكاً وقرباً من الله وحمداً وشكراً على ما أنعم به عليهم.
إن التراث يعني الأصالة، والحفاظ على الموروث واجب؛ سواء كان الموروث المادي أو الموروث الذي يعتمد على الكلمات والخطب وتراجم الرجال والعادات والتقاليد والصوت للأناشيد التي تردد في مختلف المناسبات والقصص والحكايات لبعض الرجال والنساء إذ إن هناك قصصاً تكتب بمداد من ذهب لروعة وأصالة أحداثها ولا يجب أن ننساها ومن ذلك أنواع الرقصات الشعبية كالعرضة والدمة والخطوة والقزوعي والملبوسات القديمة وأنواع الأقمشة مثل ثياب المذولق والثوب العسيري للمرأة والقماش المبرم والعصابة.
مع الأسف فإن الشباب الحديث لا يعرف ماضيه ولا يعرف كثيراً من موروثه وكأنه يعيش وسط صحراء يتيه في أرجائها ولا يعرف إلى أين يتجه لأنه فقد الاتجاه نحو الوجهة الصحيحة إن حدثتهم عن قيم الرجال وقصص بعض النساء اللاتي غلبهن بعض الرجال في الكرم والشجاعة حدثوك عن (الكدش والخبز والرقص الغربي وإن حدثتهم عن العصيد والعريك حدثوك عن الأكلات السريعة) جيل بلا هوية مع الأسف زاد في ضياعه وانسلاخه عن أصالته وافتقاره إلى الإلمام بموروثه تخلي الأسرة عن دورها وضعف المدرسة في تأدية رسالتها وهجمة الإعلام الموبوء بالعري والتفسخ الأخلاقي والفكري على الأخلاق والمكارم ورحم الله الشاعر حين قال:
إذا أنت لم تعط المكارم حقها
أنا أقترح أن يزار متحف ابن معتق والمتاحف المشابهة من قبل أبناء المدارس وأن يدخل هو وأمثاله ضمن الخارطة السياحية ليزورها السواح وأن تدعم مادياً وإعلامياً واقتراح مماثل لوزارة التربية والتعليم بأن توجه جميع مدارسنا في عموم المناطق بإقامة زوايا وأركان للمتاحف التراثية كزاوية أو ركن أساس ليظل طلابنا وأبناؤنا على صلة مع تراثهم وماضيهم ولتتحول إلى أركان تحمل دروساً ومعانياً وقيماً لأبناء الوطن لاسيما أنها تحفظ لكل القبائل تراثها المتشابه والموحد في كل مناطق المملكة وهنا تختفي العصبية والعنصرية وإثارة النعرات لأن الهدف واحد على خلاف ما يحدث في مزايين الإبل ومسابقات الشعر التي استغلها البعض لإثارة القبلية ولو على حساب وحدة الوطن.
- خميس مشيط
fayall@gawab.com