استطلاع وتصوير - حمّاد بن حامد السالمي
* بين الطائف ومركز عشيرة، أكثر من مئة كيل، إلاّ أنّ العمران أصبح متصلاً تقريباً، فعلى يمين الطريق ويساره، تنتشر المباني الخرسانية، وتتمدّد المخططات العمرانية الحديثة، التي أخذت تستقبل المستثمرين، وتستقبل السكان الجدد كذلك.
* غبت عن عشيرة عدّة سنوات، وعندما مررت بها قبل شهر، لم أجد تغييراً كبيراً يذكر، اللهم إلاّ شارعها العام الذي أصبح مزدوجاً، فهي ما زالت من أكبر مراكز محافظة الطائف، وتفتقر إلى كثير من الخدمات البلدية والقضائية والاجتماعية، ومن أهمها، وجود فرع بلدية ومحكمة، إلى غير ذلك مما يبادرك بالكلام عليه، كل من يلقاك في عشيرة من أهلها اليوم.
* قلت لرئيس المركز الأستاذ عبد الرحمن بن سلطان بن حميد ملاحظتي هذه، وأنا أتوقف في المركز لدقائق فقال: الحال كما عهدته أنت منذ عدّة سنوات، ونحن لم نتوقف عن المطالبة والشرح والكتابة للمسئولين. ادع الله معنا أن يستجيبوا لمطالبنا هذه..! قلت وأنا أغادر عشيرة إلى الحفاير: (اللهم حبِّب كافة المسئولين في عشيرة وأهلها) آمين.
المكنز الكبير
* كان معالي محافظ محافظة الطائف، (فهد بن عبد العزيز بن معمّر) حفظه الله، قد حدثني كثيراً عن مجموعة كبيرة - أو هي مكنز أثري كبير - في وادي الحفاير، وطلب مني الوقوف عليه، فهو الرجل الخبير المحيط، ليس فقط بأهل الطائف حاضرة وبادية، ولا بأوديتهم وقراهم ومراعيهم ومزارعهم، ولكن أيضاً بما يكتنف جغرافية المحافظة كافة، من آثار ومعالم تاريخية وسياحية لا تعد ولا تحصى، ومنها هذا المجموع النقشي اللافت في الحفاير.
* وصلت مركز الحفاير قبيل الظهر، بعد أن قطعت قرابة 180 كيلاً، وفي الطريق، كنت أتلفت يمنة ويسرة، لأرى أطراف وادي (العقيق)، عقيق عشيرة الكبير، الذي عهدته مسيلاً مكتظاً، بالأشجار، وتزينه الخضرة والنضرة، إلاّ أنّ الجفاف الذي يضرب محافظة الطائف بكل أوديتها وقراها، أثر على كل شجرة ونبتة، حتى طغى اليباس والجفاف على كل ما تراه العين، سواء في الأودية أو في الجبال والهضاب.
* دخلت مركز الحفاير على طريق المحاني شمالاً من الطائف، فالحفاير كانت قرية من قرى المحاني على وادي الفش، وهي على اسم واديها الكبير من جنوبي المحاني بفرعيه: الحفاير الجنوبي والحفاير الشمالي، اللذان يأخذان سيلهما من حرة الروقة جنوباً، ويصبان في وادي العقيق - عقيق عشيرة - من أعلى سد فيضة المسلح قرب الخبيراء.
* تركت مركز الحفاير خلفي، ودخلت وادي الحفاير متجهاً جنوباً غرباً على طريق ترابي، مخترقاً شبه غابة من شجر السرح، الذي بدا وكأنه يموت واقفاً، إلاّ شجيرات لم تقاوم الوقوف في وجه الشمس، فانحنت بهاماتها إلى الأرض. بعد عدّة كيلات، وصلت إلى تبتين سوداوتين، مكونتان من مجموعة صخرية سوداء، وكل صخرة من هذه، لها وجه أو أكثر أسود وصقيل، ومعظم الصخور تحوّلت إلى ألواح للكتابة والرسم والنقش، فقد ظهرت وكأنها كنز أثري ينتصب بطرف هذا الوادي الجاف، وبدت عليها آثار عبث بشري واضح، من طمس وإضافات، أو تحريك لبعض الصخور، وكأنّ عوامل التعرية لم تكف حتى يتدخل البشر لإفساد هذا الكنز الثمين، وعوامل التعرية ذاتها، طالت حتى لوحتين لإدارة الآثار، فبدتا قطعتين من حديد جامدتين على قوائم مركوزة، خاليتين من الكتابة، لا تشيران إلى شيء، ولا يفهم منهما أي شيء..!
* ما سر انفراد هذا الصقع بين الحرار السود في هذا الوادي البعيد، بهذا الكم الكبير من النقوش الصخرية التي قد تناهز الستين نقشاً أو تزيد..؟
* سألت نفسي هذا السؤال، وأنا أحاول إيجاد تفسير ما، على ضوء الموقع الجغرافي لهاتين التبتين، فوادي الحفاير هو في المسار المستقيم تقريباً بين حفر كشب ومكة، وحفر كشب كانت في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، حاضرة للهلاليين قبل تغريبتهم الشهيرة إلى الديار البعيدة، وغير بعيد أن يكون وادي الحفاير، هو طريقهم وممرهم إلى مكة، ومرعى إبلهم ومواشيهم، إلى جانب حاج الشرق والشمال، وخاصة الحاج العراقي الذي كان يمر قريباً من هذه الديار.
نقوش الحفاير
* ظهرت معظم النقوش في هذا الموقع، وكأنها تجمع بين أكثر من خط معروف عند المتخصصين، بين الكوفي والحجازي والثمودي، وبعضها يشير إلى عصور ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام، إضافة إلى الرسوم التي تمثل علاقة المكان بالحيوان والإنسان والطبيعة، فهناك رسوم لجمال ورجال، وكذلك وسوم إبل، مما كان متعارفاً عليه في وسط الجزيرة العربية. وقد يتبادر إلى ذهن المتمعن في أكثر من رسم في هذا الموقع، إلى أنّ البداية كانت لواحد على سبيل المثال، بث لواعج نفسه على صخر في شكل رسم، ثم على مر سنوات طوال، كل ما مر إنسان أو مجموعة من الناس، أضافوا إلى هذا الرسم ما يباينه أو يماثله.
* المكان كان حلبة لمبارزة نقشية عظيمة بين متبارزين كُثر، سجلوا لحظات مرورهم من هنا، على مدى عدّة قرون .. هكذا يوحي لي الموقع الذي أحدثكم عنه اليوم.
نماذج من نقوش الحفاير
* مع أني سجلت كل ما وقعت عيني عليه من نقوش وكتابات ورسوم ونقوش ونحوه في هذا الموقع بالكاميرا، إلاّ أني أقدم في هذه الدراسة الموثقة، نماذج مبسطة، للدلالة على قيمة الموقع الأثري، الذي لا يقل أهمية عن مواقع تاريخية وأثرية أخرى، سواء في محافظة الطائف، أو في عموم المملكة. فإلى هذه النماذج: