كتب - فهد الشويعر
إذا كان قد أطلق على عصرنا عصر الإعلام، فإنّ الحقيقة تقتضي أنه أيضاً (عصر الدراما) لأنّ الدراما اليوم وفي كل العالم هي سلاح القوة والتغيير والتأثير.
لقد أصبحت الدراما غذاء يومياً للناس في كل مكان، بل إنها تنافس أكبر المؤسسات التعليمية في العالم. وتظهر قوة التأثير الدرامي على المستوى العالمي من خلال النموذج الأمريكي الذي حوّلته الدراما إلى الحلم الأمريكي، فليست القوة الأمريكية وحدها هي صاحبة الفضل في تحويل أمريكا إلى الدولة الحلم والنموذج الأكبر، بل يعود كثير من هذا الفضل إلى التأثير الدرامي المتمثل بقوة في الأفلام والمسلسلات والروايات الأمريكية التي هيأت وأخضعت كثيراً من العقول والقلوب للحلم الأمريكي قبل أن تبرز قوة المدافع والطائرات.
وجاء مسلسل أسوار في جزئه الأول وكنت متابعاً له بشكل كبير ودقيق، وفوجئت كثيراً بهذا الطرح الصادق والحقيقي، وفرحت بأنّ هناك من يفكر أيضاً في طرح الحقيقة بقسوتها لينتبه الناس، وكنت أتابع أجزاءه القادمة من الأسوار، بعد أن أعلنت الشركة المنتجة أنها تتجه إلى إنتاج أجزاء متواصلة. لقد كان أسوأ ما في أسوار في جزئه الأول هو إصدار بطله آنذاك حسن عسيري بياناً أصفه بعدم الذكاء مع تقديري الكامل لكل ما يقدمه، فقد كان بياناً خائفاً ومدافعاً وكأنه قدم عملاً شريراً، فهل هذا يعني أنه منتج لا يفكر وأنّ هناك من يملي عليه ما يقدم؟ بل أحياناً أصفق له وأحياناً أشعر أنّ مشروعه الإعلامي أكبر منه. أستغرب فعلاً أن يخجل إنسان مما قدم، ومع أنني رأيت طريقة هذا الرجل وتحاوره وأفكاره من خلال برنامج إضاءات لتركي الدخيل، حيث كان عفوياً ومنطقياً وصادقاً مع نفسه ومع الناس، إلاّ أنه كان يجب ألا يصدر بياناً عما يؤمن به، كان الأجدر والأحرى بالعسيري أن يفتخر بما قدمه لا أن يصدر بياناً يشرح فيه ما كان يجب إلا يشرحه. كان يجب أن يكون شجاعاً كما كان عندما قدم أسواره وقفز عليها واخترق دواخلها. الجميل في هذا المسلسل أنه هز أفكاراً لمجتمع أوهم نفسه بالمثالية وكان وما زال يميل إلى التكتم والعيش بشخصيتين، الأولى لبيته وأولاده والثانية للاستراحة والفيلا مع الزملاء, لقد جاء المسلسل كمن ألقى بحجر في الماء الراكد، وجاء طرح مثل هذه القضايا كمشرط جراح.
لقد رأيت أنه لا بد من هذه المقدمة البسيطة حتى أذكر بقوة وتأثير الدراما، حتى نفكر ونقرر جميعاً ما إذا كنا نريد أن نصمت عن مشاكلنا الاجتماعية الكبيرة التي تعج بها الصحف والمجلات وبيانات وزارة الداخلية التي نسمعها كل جمعة. يجب أن ننزع عن أنفسنا شعار الخصوصية التي أوهمنا داخلنا بها وتحايلنا على عقولنا بترديدها، فنحن مجتمع بشري حقيقي فيه ما فيه من حب وخير وشر وفساد، فيما أطرح في المقابل تساؤلاً شرعياً يرتاد عقول الكثيرين من المشاهدين، متسائلاً عن صحة (اجتزاء) حالات سلبية في مجتمعنا وتضخيمها في مسلسل عريض، وكأننا مجتمع ابتلي بهذه الحالات، أم أنّ دور الدراما هو وضع الجروح أمام الطبيب وترك الخيار له لتقديم حلوله؟.
مسلسل (أسوار 2)
تنبع أهمية مسلسل أسوار كمسلسل اجتماعي سعودي، في أنه تطرّق إلى ما لم يتطرّق إليه من قبل في الدراما السعودية، وتجرّأ على طرح قضايا كانت تعتبر من القضايا المسكوت عنها، والتي كانت تنطق همساً فقط بين الناس ولا يريد أحد أن يتطرّق لها، فيزداد الفساد والظلم والاغتصاب والعنف المنزلي وقضايا ظلم المرأة وسلبها حقوقها من أقرب الناس لها، دون أن يتحدث أحد إلا من قِبل عدد قليل من كتّاب الزوايا وفي بعض الصحف.
(أسوار2) والأطروحات الجديدة
تكمن أهمية مسلسل أسوار في الكم الهائل من القضايا والأطروحات الجديدة على الدراما السعودية. ما يتم داخل سجون النساء وقضايا دفع الدية وترويج المخدرات ودور المحامين وزواج القاصرات، وهذا تحديداً يلامس قضية هامة جداً يعيشها السعوديون يومياً على صفحات الجرائد، فكم كان رائعاً أن نرى كيف يقبل بأن يبيع ابنته وعمرها ثماني سنوات في شكل زواج، كما طرح المسلسل زواج كبار السن من الفتيات الصغيرات بسبب جشع آبائهم وحبهم للمال. من الأشياء التي شدتني في هذا المسلسل، أنه يقفز فوق أسوارنا بحكايات ضمن نسيج درامي طويل، بحيث تبدأ حكايات صغيرة تشدنا من خلال تفاصيلها التي تطرح حزمة من الأحداث تبدأ وتنتهي داخل خط درامي رئيسي يلامس كل الشخصيات الرئيسية والفرعية للمسلسل. قضايا كثيرة ومثيرة طرحها أسوار في جزئه الثاني، لدرجة كنت أرصد الحلقات وأحاول أن أسجل ما أراه تجهيزاً لكتابة رأيي، ولكن ومع التشابك الكبير لهذه الخطوط إلاّ أنها كانت واضحة المعالم، سواء بطرح الأخطاء الطبية المميتة والتحرشات والتجاوزات داخل مستشفيات الأمراض العقلية، وحيل الخادمات التي رأيناها خلال عرض المسلسل على الطبيعة، عندما قامت خادمتان بخطف طفلتين، وكأنّ المسلسل أكد مقولة إنّ الدراما تستشرف المستقبل.
شخصيات تتصارع مع دراما الحياة
يتميز مسلسل (أسوار 2) بأنّ شخصياته كثيرة وتنبض بالحياة وتتصارع معها، حتى الشخصيات المقهورة تقوم مرة أخرى، ولذا فإنّ البطولة أقرب للبطولة الجماعية وإن كانت شخصية (زياد ) تبدو هي الرابط بين الأحداث والشخصيات، فداخل المسلسل أكثر من مائة شخصية نصفها شخصيات رئيسية، وهذا الزخم من الشخصيات مرسوم بدقة من خلال خيوط وأحداث درامية متواترة ومتناقضة ومتناغمة في نفس الوقت، وكل هذا انصب في رسم صورة خليجية تنبض بالحياة.
الدراما القادمة والقفز فوق الأسوار
مسلسل (أسوار) في تقييمه النهائي هو مسلسل (رائد) في طرح القضايا الجديدة بجرأة، وكذلك رائد في الرؤية الدرامية والإخراج الفني والإنتاج المحترف، ولهذا يستحق أن يحقق هذا الجدل والنقاش فهو ليس عملاً سطحياً يناقش ما اعتدنا أن نناقشه من أول عهد التلفزيون, وما نريده هو ألف عمل يقفز على ألف سور، فالمسلسل الذي لا يؤثر في الناس ولا يثير مناقشاتهم لا يستحق المشاهدة. ولكن الأهم في كل هذا أن تقام ندوات تناقش هذه الأعمال وأهميتها وحاجة المجتمع إليها, ولعل ما يحدث في سوريا ومصر من ندوات ومحاضرات مع أبطال المسلسلات ومؤلفيها ومنتجيها جدير بأن يحدث هنا، بل وأساسي جداً أن يحضر هذه الندوات الأخصائيون الاجتماعيون والمسئولون الأمنيون ليناقشوا الناس عن تفاصيل ما يحدث، وضرورة الاحتراز والتفكير مع اتساع دائرة الحياة وكبر مساحه الخطر علينا كمجتمع.