Al Jazirah NewsPaper Wednesday  01/07/2009 G Issue 13425
الاربعاء 08 رجب 1430   العدد  13425
الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة
د. فهد بن عبد الرحمن عبد الله السويدان

قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}(27) )سورة الإسراء). الإسراف والتبذير مرتبطٌ بمختلف جوانب الحياة المادية والمعنوية؛ فإن له صوراً عديدة وأشكالاً مُختلفة وألواناً، الأمر الذي يترتب عليه الكثير من المفاسد الدينية والدنيوية التي تُدّمر المجتمعات، وتقضي على الأخلاق، وتعبث بالاقتصاد، وتؤدي إلى الكثير من المضار والآثار السيئة التي يأتي من أعظمها أن الله تعالى لا يُحب المسرفين، وأن الإسراف سلوكٌ خاطئ، وتصرف غير سوي.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بسعد وهو يتوضأ فقال: (ما هذا السرف؟) فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: (نعم وإن كنت على نهر جار) (رواه ابن ماجه).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا وتصدّقوا والبسوا، ما لم يُخالطه إسرافٌ أو مخيلةٌ) (رواه ابن ماجة). وقوله صلى الله عليه وسلم (الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم ؟؟) رواه البيهقي والديلمي).

كثيراً ما نتحدث عن الأنماط السلوكية للمجتمع التي غدت سمة لنا دون سوانا من العالمين، وهي أنماط بحاجة ماسة للترشيد والتثقيف لكونها سلوكيات ذات أثر سلبي على حركة المجتمع وللبنية الاجتماعية المتعددة..

وهناك العشرات من السلوكيات المحتاجة للتقويم إلا أن المؤسسات الثقافية والاجتماعية في شغل عن دراستها وخلق السلوك المرشد، ولأننا منشغلون بترشيد الكهرباء أو الماء وهذا جيد على سبيل المثال ونجد المطالبات الملحة لترشيد هاتين الطاقتين، فإننا في الجانب الآخر من حياة المجتمع لا نجد أية جهة تطالب بترشيد السلوكيات الاجتماعية ومن تلك الأنماط السلوكية التي تمر بنا أن لا تعجب إن شاهدت شاباً أو شابة وهما يحملان ثلاثة أو أربعة جوالات دفعة واحدة، وكلها تعمل بأرقام مختلفة، فهذا المشهد غدا مكملاً للوجاهة الفارغة، ولأن آفة المظهرية تملكتنا فهناك سلوكيات عجيبة وغريبة تحدث بيننا، ويتواطأ المجتمع على تغذيتها يومياً كالرقم المميّز والشماغ المميّز والملابس الداخلية المميّزة والحذاء المميّز وأرقام الجوالات المميّزة وطوابع البريد والعملات الأثرية والتحف الفنية التي يتسابق الهواة في اقتنائها بأسعار قد تفوق التصور، وقد وصل إسراف الأسعار في الأقلام، إذ تراوح سعر القلم (الفخم) بين 18 ألفاً و38 ألف ريال سعودي. وفي حملات الحج ومزايين الإبل، علماً بأنه قد وصل سعر إبل إلى 3 ملايين و400 ألف ريال قطري أي ما يعادل 3 ملايين و600 ألف ريال سعودي هي قيمة لناقة سعودية من نوع المجاهيم التي جذبت انتباه الكثير من المهتمين في مناسبة للمزايين في منطقة الظفرة الإماراتية بأبو ظبي وغيرها..، إن حسبة بسيطة تجعلنا نخرج بالنتيجة أن مبلغ ستة ملايين ريال التي دفعت ثمناً للوحة مرورية تكفي لتعليم ستين طالباً نابغاً في الخارج وحصولهم على درجات الدكتوراه في تخصصات يحتاجها الوطن، أوَليس هذا معنى كبيراً من معاني تكريم البشر؟

أي أن المجتمع يسير في خط واحد، فكما ظللنا لفترة طويلة نسير في إطار الفكر والتفكير الأحادي بقينا أيضاً نسير في سلوك اجتماعي موحّد من كوننا على درجة واحدة من الثراء.

وقد جعل الله لما يحصل أسباباً، وربط المسببات بأسبابها، على مقتضى سنن وحكم له سبحانه وتعالى في خلقه، فمراعاة الأسباب والسنن التي جعلها الله في هذا الكون مقتضى شرعه ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(الرعد: 11). وما يقع من ارتفاع للأسعار والغلاء في المعيشة له أسبابه ومن أعظم الأسباب الذنوب والمعاصي التي يجاهر بها العباد وبخاصة منع الزكاة والتعامل بالربا والغش والتدليس في المعاملات وأكل أموال الناس بالباطل والإسراف في المناسبات والولائم وغيرها من الذنوب المؤذنة بنزول العقوبات الشديدة وحصول الشدائد المديدة وذهاب البركات أو نقصها، قال الله تعالى : {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل:112). وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الروم:41). وفي المقابل قال الله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}(نوح:10-12).

سائلين الله الهداية والتوفيق للجميع.

كاتب وأستاذ أكاديمي وعضو المصالحة وعضو التحكيم


fahd-a-s@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد