قال سليمان بن يزيد العدوي رحمه الله (1): |
ألم ترَ أن المرء يودي شبابه |
وأن المنايا للرجال تشعَّب؟! |
فمِن ذائقٍ كأساً من الموت مُرَّةً |
وآخر أخرى مثلها يترقبُ |
لها منهم زاد حثيث وسائق |
وكل بكأس الموت يوماً سيشرب |
وما وارث إلا سيورث ماله |
ولا سالب إلا وشيكاً سيسلب |
ولا آلف إلا سيتبع إلفه |
ولا نعمة إلا تبيد وتذهب |
وخير من ذلك قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} (185) سورة آل عمران. |
قال ابن سعدي رحمه الله: (هذه الآية فيها تزهيد في الدنيا بفنائها وأنها متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتَقَل عنها إلى دار القرار التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار من خير وشر)ا.هـ |
وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال؛ فشر غائب ينتظر، أو الساعة؛ فالساعة أدهى وأمر). |
لقد فجعتُ برحيل أخي وعديلي الأخ الأستاذ صالح بن عبدالعزيز الدريبي - رحمه الله وغفر له وجعل الجنَّة مثواه.. آمين - وذلك إثر حادث مروري ليلة يوم الاثنين 21 - 06- 1430هـ. |
ولقد عرفت الأستاذ صالح وخالطته عن قرب وسامرته كثيراً فهو دمث الأخلاق، كريم السجايا، سح اليد، صحيح الود. |
فما أن يظفر بنا ويلقانا إلا ويتلقانا ببره، ويستقبلنا ببشاشته وبِشره، مسفر الوجه، منير المحيَّا. فما أن يتمكن منا إلا نرى منه حسن الإقبال، وعظيم الإكرام والإجلال. |
وقد حادثته بهذا، وصارحته بكثير ما يجيش بخاطري في آخر مكالمة لي معه قبل ثلاثة أسابيع. |
يأنس به الغريب، ويعرف صدقه البعيد، السماحة بادية من منطقه. أحسبه والله حسيبه سليم الغيب، نقي القلب، خافيه مثل باديه، وإظهاره مثل إضماره. |
|
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله |
و يُخصِبُ عندي والمحل جديبُ |
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى |
ولكن ما وجه الكريم خصيب (2) |
فأنعم بهذه السجاياً! وما أعظمها عند الله! |
فقد ثبت في الحديث الذي رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق). |
وله، وقال: حديث حسن صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنَّة؟ قال: (تقوى الله وحسن الخلق). وله وقال: حديث حسن، عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً). والنصوص الشرعية في بيان فضل ما ذكرنا من سجاياً كثير. |
إن في فقد من هذه صفاته خسارة وأي خسارة. |
ولقد علمت أنه - رحمه الله - إنما أذهبه للبلد المجاور والذي وقع له الحادث في طريق عودته منه شراء هداياً للطلاب الناجحين في الفصول التي يدرسها في مدرسة الشيخ محمد بن عبدالوهاب. |
فبره وحسن خلقه وصل الصغير والكبير ممن خالطه. |
ولقد بلغني ثناء زملائه المعلمين على إخلاصه وتفانيه في أداء أمانة التربية والتعليم، ولقد قال أحدهم وهو من أصحاب الخبرة: إنه يذكرني بالمربين الأوائل، إشارة على إخلاصه في مهنته. |
وإن من البشائر والنعم التي تنشر عنه ويذكر بها ويشهد له بها: أنني رأيت سبابته مرفوعة على وضع التشهد والنطق بالتوحيد ضاماً عموم أصابعه - غفر الله له ورحمه وتجاوز عنا وعنه - . |
وهذه بشرى خير يغبطه عليها الأحياء والأموات. |
إذا ما أتى يوم من الدهر بيننا |
فحيَّاك بيننا شرقُه وأصائلُه |
تحيَّة من أدى الرسالة حُببت |
إلينا ولم ترجع بشيء رسائله |
أبى الصبر أن العين بعدك لم تزل |
يخالط جنبيها قذىً ما يزايله |
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى |
فأنت على من مات بعدك شاغله |
أعينَيَّ: إن أبكاكما البين فابكيا |
لمن نصرُه قد بان منا ونائله (3) |
فنَم يا أخي صالح قرير العين، فقد سبقت سبق الجواد، وقد أحرزت - إن شاء الله - فوز النصال، إذ حزت أكرم الخصال. |
نم، فما الدنيا لك ولنا بوطن، هي دار غربة، ومسكنٌ مُجازٌ، ليس بها معرَّس ولا سكون. |
نم، نوم الأمن في سربه، المستأنس في مراحه، المطمئن في مرجعه ومضجعه. |
نم، فقد قدمت لغدك، وفعلت ما هو للأحدوثة أزين، وفي النشر أطيب، وفي الصون أجمل مما هو أقرب للجميل، وأحرى بقبول الواحد الجليل، مما هو من عمل أهل الفضل، ذوي النباهة والنبل. |
نم، فقد كفاك الله هبوات الفتن، وصدمات المحن، فهذه الدنيا نقع الفتنة لا يسلم من فتنتها إلا من سلمه الله. |
أما وإن السالم من فتنة الدنيا سالم من فتنة الآخرة إذ فتنة الدنيا مخالفة الجليل، والإعراض عن التنزيل، ومساكنة العمل الرذيل. والسلامة بالعمل بالتنزيل وطاعة الواحد الجليل، والاستعداد ليوم الرحيل. |
|
وإنه ليخالطني الحزن والفرح! حزن على فراق مثلك. |
وفرح بما رأيته من بشائر الخير وثناء الناس عليك. |
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت). ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم (وجبت). فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار أنتم شهداء الله في أرضه). قال العلامة فيصل المبارك رحمه الله: (انطلاق الألسنة بالثناء الحسن على المؤمنين علامة على صلاح العبد، وانطلاق الألسنة بالثناء القبيح علامة على فساده) ا.هـ(4) |
وعند البخاري: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنَّة) فقلنا: وثلاثة؟ قال: (وثلاثة) فقلنا: واثنان: قال: (واثنان) ثم لم نسأله عن الواحد. |
ولأحمد في المسند: (ما من مسلم تشهد له أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله تعالى: قد قبلت علمهم فيه، وغفر له ما لا يعلمون). |
رحمك الله وغفر لك، وجعل الجنَّة مثواك وأقر عينك برؤية مولاك وخلف على أهلك وزوجك بخير. والحمد لله في البأساء والضراء، وصلى الله على نبينا محمد. |
كاتب العدل في محافظة عنيزة |
|