Al Jazirah NewsPaper Thursday  02/07/2009 G Issue 13426
الخميس 09 رجب 1430   العدد  13426
الاستهتار وعشوائية السلوك.. مسؤولية جماعية
مندل عبدالله القباع

 

يشهد الشارع السعودي اليوم عشوائية في السلوك صدمت مشاعر قطاع كبير من المواطنين، وأصبحت تمثل مادة رئيسية للحوار في المنتديات واللقاءات الجماعية والأحاديث الرسمية واللا رسمية. عدا الإعلام الذي لم ينتبه إليها.. ربما!! أو لم يعبأ بها.. ربما!! أو لديه أجندة أخرى غير هموم الناس.. ربما!!! أو أنه لا يرغب في إثارة قضايا جذب ومد وحيرة واستهجان المواطنين جميعا ربما! أو لأنه لا يريد الدخول في شؤون حياة الناس، التي شملت تحولات في المعايير والقيم المادية وما يواكبها من قيم ثقافية واجتماعية ومخرجاتها السلوكية، وعلاقات التواصل الأفقية والرأسية على السواء.. ربما!! أو لعدم قدرته على ملاحقة الحراك الاجتماعي المتسارع في كل المجالات، وما يحتاج إليه من مواجهة على كل المسارات.. ربما!! فماذا بعد؟

أصبح الكثيرون على الرغم منهم يولون وجوههم في ارتياب وقلق وتوتر واضطراب فيما هو حادث حالياً في الشارع السعودي وما يمكن أن يؤول إليه في المستقبل، فهل ثمة توازن بين الواقع والمأمول؟.. فمثلا في تنمية الروح الاجتماعية والولاء والانتماء للوطن، وتحمل مسؤولية البناء والبذل والعطاء لتحقيق المزيد من التقدم والرقي لمجتمعنا الغالي؟ والسعي نحو النمو المستمر، وتدعيم قيم المشاركة في تحقيق إمكانات مسايرة ركب الحضارة.

كيف يتحقق ذلك وها نحن نرى أن العشوائية قد زادت وتيرتها وإزاء ذلك فقد تعارضت المصالح، ويشير علماء الاجتماع إلى أن تعارض المصالح يدفع إلى أن تصبح الجماعات في صراع وشجار وتشابك مع بعضها البعض.

فها هم الشباب بعضهم أو أغلبهم يتجاوزون قواعد المرور، فيقطعون الإشارة الحمراء، ويتجاوزون السرعة القصوى في الشوارع الداخلية والرئيسية، ويروعون الناس بما يقذفون عليهم من نوافذ سياراتهم، ومعاكسة قائدي السيارات الأخرى بالدخول المفاجئ عليهم بغرض تخويفهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، أو القيام بمسابقات للسرعة في الطريق العام، أو القيام ببعض الألعاب المستهجنة كالتفحيط أو السير عكس الطريق مع رفع صوت المسجل على أغنيات أجنبية هم أنفسهم لا يفهمونها لكنهم يرقصون عليها، وقيادة السيارة وهم يرتدون ملابس ماجنة لا تنتمي لثقافتنا العربية لكنهم يحاكون ما يرونه بالخارج عبر الفضائيات، أو الخروج للسياحة الخارجية أو الافتتان بما هو في الهناك وهذا جله يجسد عشوائية السلوك.

فضلا عما تسجله محاضر الشرطة من الاعتداءات البدنية والمضاربات مع الجيران، وزملاء الدراسة أو العمل، واستخدام العنف المقيت مع الأشقاء أو الأبناء أو الزوجة أو الخدم لأتفه الأسباب.. وسجلات المستشفيات ومحاضر الشرطة تعبر عن ذلك.

إننا لا يمكن أن نشيح بوجوهنا بعيدا عن هذه السلوكيات العشوائية، ولا يمكننا أن نظل نردد أنها سلوكيات وحوادث فردية، وهناك سلوكيات في الخفاء من الصعب ذكرها يحسبها رجال الاجتماع وهي سلوكيات مؤسفة وتثير العجب العجاب لفداحتها، وانظر حولك، وطالع صفحة الحوادث في الصحف.. ولا تنظر إليها على أنها مجرد أحداث لكنها تعبر عما أصاب الحياة الإنسانية الطبيعية من إرباك وتشتت فوضوي هو نتاج تغيرات شديدة لحقت بمجتمعنا ولم يحسب لها حساب لكان يمكن دراستها - ولا زال - من خلال دراسة حركة الحالات التي تحولها الشرطة لدور الملاحظة الاجتماعية ومؤسسة رعاية الفتيات، فضلا عن حالات الإيداع بالسجون ومؤسساتنا الأكاديمية والبحثية ليست بعيدة عن مفهوم البحث العلمي، وعن كونه مسؤولية مشتركة بين جميع الجهات المتخصصة مهنيا للبحث العلمي في مجال التخصص وعلى رأسها الكليات ومراكز البحوث التي تتسع بدورها النظام الجامعي، وجميعها لديها خبرات نعتز بها في مجال التشخيص ويشغلها كوادر بحثية متميزة لها خبرة فعالة في البحوث العلمية.

إن فداحة عشوائية السلوك أنه اخترق حياتنا وواقعنا جميعا في قلق ودهشة، دون أن نقدم التوجيه المناسب للالتزام بقيمنا ومبادئنا الإسلامية، مما أهدر إمكانات التواصل المبني على التفاعل السوي مع المحيط الاجتماعي.

ومما يجدر ذكره أن البيئة لها أثرها الفاعل في تشكيل حياة الإنسان، وفي تفاعله معها، وفي بناء علاقات وقيم توافقية للتكيف مع البيئة والتوافق مع الآخر بحسب طاقاته وقدراته وإمكاناته وأيضا مصالحه. وإزاء ذلك يتوجب على البيئة السوية الصالحة أن تبذل قصارى جهدها في محاولات التهذيب الأخلاقي والتربية المتوافقة مع ثقافة مجتمعنا وأنماط العلاقات الاجتماعية الإيجابية والفاعلة، وبناء الذات الموجبة، وتشييد البناء الفكري المفاهيمي للقضاء على مفهوم الذاتية الأنانية المفرطة التي انعكست على الشارع السعودي التي من جرائها حدث صراع بين الأدوار بل وانهارت في بعض الأحايين، وأصبح العنف والعدوان غير المبرر هو السائد في المعاملات ولبلوغ غايات مغتصبة من خلال التغلب على الآخرين، وتقويض الفواصل بين الكبار والصغار، وبين الرجال والنساء وبين المعلم والطالب وبين الرئيس والمرؤوس وبين الأبناء والآباء، وأصبح الشعار (حقي أولا) مشروع أو غير مشروع، فإذا لم يكن فحقي بالقوة كنظام بديل.

وتبعا لعشوائية السلوك تلاشت قيم الاحترام والتقدير والرحمة المودة والصبر والتسامح والولاء والانتماء وتفاقمت السلبيات ومخرجاتها الانحراف والجريمة.. فما السبيل إذن لمعالجة عشوائية السلوك؟

أولاً: أن تستعيد الأسرة دورها التربوي.

ثانياً: أن يقوم الإعلام بدوره التوجيهي والإرشادي.

ثالثاً: أن يقوم المثقفون بدورهم في إظهار السلبيات والإيجابيات في النظام السلوكي ومعالجته ثقافيا وأدبيا.

رابعاً: أن تقوم المؤسسة الدينية بدورها في تهذيب السلوك عبر خطاب ديني متجدد.

خامساً: أن يقوم علماء النفس والاجتماع بدورهم في معالجة المشكلات الاجتماعية.

سادساً: استخدام تكنولوجيا العصر في ظل المسؤوليات الاجتماعية.

سابعاً: تطبيق العقوبة الفورية وعدم تأجيلها لأن من أمن العقاب ساء الأدب.

اللهم أصلح شبابنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وارزقهم البطانة والرفقة الصالحة.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.






 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد