لا تزال خيول الموت معدة مسرجة تغدو وتروح لمن كتب الله عليهم الفناء، فسهام الموت حولنا ذات اليمين وذات الشمال لا يعرف من المتقدم من المتأخر فسنن الله ماضية، وقضاؤه واقع وحكمه نافذ، وممن فجعنا بوفاتها العمة حصة بنت الشيخ عبد الرحمن بن محمد قاسم - رحمه الله - جامع فتاوى شيخ الإسلام وصاحب حاشية الروض وغيرها. زوجة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز القاسم - رحمه الله، ووالدة فضيلة الشيخ عبد الله توفيت ظهر يوم الجمعة 26-6-1430هـ وصلي عليها بعد صلاة العشاء في جامع أم الحمام. أسأل الله لها روضة الجنان. ففي الحديث (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر) (رواه الترمذي).
وقد أصابت من سنن يوم الجمعة فاغتسلت وقرأت سورة الكهف وصلت صلاة الضحى، ثم بدأت تسلم روحها وكانت - ميتة سهلة - وقد سألت الوالد - رحمه الله - عن وقت قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؟ فقال: الأصل المبادرة بأعمال الخير حتى لا يعرض له عارض.
توفيت بعد حياة حافلة بالتقى والعبادة، عاشت وتربت ودرجت في بيت والدها العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وحفظت كتاب الله - عز وجل -، وكان لها عناية به حتى أنك لا تراها إلا والمصحف حولها أو في يدها، عابدة قائمة محبوبة لحسن خلقها وطيب معشرها ولطف حديثها كثيرة الدعاء لمن يأت إليها، تقوم بأعمال دعوية لا ينهض بها كثير من الشباب حيث تسجل المحاضرات من إذاعة القرآن الكريم وخطب أئمة الحرمين وتوزيعها داخل المملكة وخارجها ولكل من زارها نصيب، و لها في الصدقة وذات اليد إنفاق خفي.
ولقد كانت الآخرة أمام ناظريها تتساءل كثيرا وتردد متى ننتقل من هذه الدار؟ وتعدد من مات من أقاربها وتشعرك بأن الموت واقف عند عتبة دارها.. تعظك وتذكرك بالسلف الصالح في صدق ولطف معشرها. وجدتها مرة تضع رقما تسلسلياً في ورقة خارجية فسألتها فأجابت: أكتب عدد الختمات حتى أتشجع وأحرص على الاستمرار وأذكر أن الرقم (44) في ذلك العام وأظنها تختم كل أسبوع، تحدثك عن الجد - رحمه الله - وكثرة أسفاره وأنها تفتقده. حتى أنها تأثرت مرة وقالت إني قلت له: (ما نهنأ بك) فأنت من كتاب إلى كتاب ومن سفر إلى سفر.. وكأني بها تجمل ذلك كله بقول أبو الوفاء بن عقيل - رحمه الله -: لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لتفطرت المرائر لفراق المحبين).
توفيت والكل يدعو لها ويترحم عليها.. تذكرت عبادتها وبشاشتها وسؤالها عن الكبير والصغير.
انقطع دعاء من دعاء الصالحين ونسمة من نسمات العابدين، فاللهم أسكنها فردوسك الاعلى، اللهم وأبدلها دارا خيرا من دارها واجمعنا وإياها ووالدينا في روضة جنة النعيم، وإنا يا أم عبد الله على فراقك لمحزونون. والعزاء موصول لأبنائها البررة وبناتها أن يجمع قلوبهم على الإيمان والتقوى وأن يجعلهم هداة مهتدين وأن يصلح نياتهم وذرياتهم.
a.malik.m.q@hotmail.com