Al Jazirah NewsPaper Thursday  02/07/2009 G Issue 13426
الخميس 09 رجب 1430   العدد  13426

قراءة (القراءة)1-4
قراءة: حنان بنت عبدالعزيز آل سيف(بنت الأعشى)

 

الكتاب هو النافذة التي نطل من خلالها على العالم الخارجي، بل هو البيئة الديمقراطية الفعّالة التي تصنع من الفرد إنسانا للمستقبل مؤهلا علميا وثقافيا وعقليا. وتطوُّر الكتاب هو دلالة على تطوُّر الفكر الإنساني في أطواره المختلفة المتباينة، بل هو الدليل الأمثل على حضارة الأمم وتقدم الشعوب ورقي المجتمعات. وما زال الكتاب يشغل حيزاً من فكر الإنسان العربي حديثا وقديما وماضيا وحاضرا، بدءا بالكتابة على الطين والحجر والبردي والرتاق حتى ظهرت صناعة الورق وراجت وتألقت حرفة التأليف والتصنيف فامتلأت رفوف المكتبات بكل ما لذّ وطاب وجاد واستجاد، بل إن المرء يحار في اختيار كتاب واحد من بين عشرات الكتب التي تبحث وتطرق وتتناول موضوعاً واحداً.

وتعدُّ القراءة دليلاً على تطوُّر الفكر الإنساني ويقظته من نومه وخموله وركوده، بل هي الحكم العدل في تقويم النتاج العلمي والإبداع الثقافي، وما زال تاريخنا العربي الحي الناهض يمدنا بأمثلة حية يقظة وصفحات خالدة من صبر العلماء ومصابرتهم وجلدهم ومجالدتهم في قراءة الكتب ومطالعتها، فهذا الجاحظ عاشق الكتب وقتيلها قضى عمره الزمني المديد يكتري (يستأجر) دكاكين الوراقين ويساهرها ليبحث في مصنف فريد، ويكتب في مؤلف مفيد، وهذا ابن الجوزي يقول في كتابه (صيد الخاطر): (طالعت في فترة الطلب ما يفوق عشرين ألف مجلد)، وهذا ابن النديم صاحب كتاب الفهرست من أشهر الوراقين العرب القدامى في ذلك الزمن التليد، ذكر عشرات المصنفات في كتابه هذا، ولولاه لظلت هذه الكتب في طي النسيان، وذمة الزمان، وهذا ياقوت الحموي صاحب كتابي معجم البلدان ومعجم الأدباء من أشهر علماء الوراقة العربية القديمة، ومن طالع كتبهم عرف قدرهم، فيا لها من همم تزلزل الجبال، وتقيم الحضارات، وتبني المعارف وتؤسس العلوم.

والكتاب مهما تباينت الآراء واختلفت التوجهات فهو الدليل الأقوى على ازدهار العصر الذي شاع وراج من خلاله، بل هو الحجة والمحجة في التألق والتفوق الثقافي والعلمي.

ومن الوصف الخالد التالد ذلك الوصف البليغ الذي وصف به الجاحظ أديب العصر العباسي، المتدفق علما وثقافة وتحضرا وعقلا، الكتاب في كتابه الحيوان، وهو وصف دال على حب العرب للكتب حبا ملك عليهم شغاف قلوبهم ومكنون مشاعرهم فقال: (.. والكتاب وعاء مليء علما وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدا.. إن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجبت من غرائب فرائده، وإن شئت ألهتك طرائفه، وإن شئت أشجتك مواعظه، والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك، والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب، والكتاب هو الذي إذا نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجدّد بنانك وفخم ألفاظك وبجح نفسك، وعمر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك، وعرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من العزم، ومع كد الطلب، ومن الوقوف ببال المكتسب من التعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منهم خلقا، وأكرم منهم عرقا، ومع السلامة من مجالسة البغضاء، ومقارنة الأغبياء، وهو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتل بنوم ولا يعتريه كلال السهر).

وتعدّ كتب الجاحظ من أنفس الكتب العربية قاطبة، وكان له مكتبة خاصة تزخر بنفائس الكتب وذخائر الأدب.

وبين يدي كتاب نفيس يعد من أثرى الكتب التي أُلّفت في فن القراءة وتقليب الكتب والنظر فيها واستجلاب فرائدها.. وقد أسلفت لك عنوانه قبل قليل، وطبعته هي الثانية لعام 1427هـ - 2006م، والناشر مكتبة العبيكان عمرها الله، ومؤلفه قارئ نبيل، ونبيه جليل، وهو الأستاذ الفاضل فهد بن صالح الحمود - حفظه الله ورعاه - وقد بدأ كتابه بفائدة فريدة من تذكرة الحفاظ للحافظ ابن المقرئ حيث قال: (مشيت بسبب نسخة مفضل بن فضالة سبعين مرحلة ولو عرضت على خباز برغيف لم يقبلها)، وفي طليعة الكتاب حديث شيق يقول فيه: (إن ثقافة التمدد والتوسع عبر الشاشة والصوت وسواها مما عمّ في صناعة عقول الناس وتشكيلها امتدت إلى فئام من المثقفين والمتأدبين لتكون زادا لهم سواء عبر الفضائيات التي تبث الحوارات والمنتديات الفكرية أو على صفحات الشبكة العالمية (الإنترنت) أو على أكثر الأحوال أن يتأبط أحدهم إحدى الجرائد اليومية فيكرع منها بكرة وعشيا وهو قنع بما حصل منها، وهذا كله على حساب الكتاب الذي هو القادر بلا ريب على البناء والتأسيس، ولا أجد أكثر تعبيراً لما وصلت إليه حالنا مع القراءة من قول العقاد: إن القراءة لم تزل عندنا سخرة يساق إليها الأكثرون طلباً لوظيفة أو منفعة ولم تزل عند أمم الحضارة حركة نفسية كحركة العضو الذي لا يطيق الجمود). ويسترسل المؤلف - حفظه الله وأبقاه - في حديثه قائلاً ومعقباً ومهمشاً على كلام الأديب عباس محمود العقاد النفيس ما فحواه: (إن العبقرية إذا لم تتغذَّ بغذاء القراءة خليقة أن تجف وتذبل، وإن الذكاء إذا لم يلازمه اطلاع تحوّل إلى هباء، لقد مرّ علينا أناس يتميزون بذكاء وصفاء ذهن في أوائل أعمارهم، لكن ما إن يتقدم بهم العمر وينشغلون في مجريات الحياة ويتركون التقري خلف ظهورهم إلا وتجد جمرة ذكائهم قد خبت إن لم يكن مع هذا تغافل وبلادة. إن قراءة الكتب هي التي تبني عند الإنسان لغة العلوم وعنها يعرف طريقة الأسلوب وتأليف الكلام المتبع فيها).

ويذكرني قول الأستاذ فهد الحمود السابق بنظرية التربية المادية التي ظهرت في القرن الثامن عشر ومؤداها انطلاقها من فكرة تقول: إنه كلما زادت معرفة الإنسان ارتفع ذكاؤه، وهذا نفسه هو محور نظرية التعلم والتعليم الذاتي؛ فالعالم النفسي الشهير (أكسيل برج) كان يرى أن الشخصية المبدعة الجادة لا بد أن تكون بجد واجتهاد وتعب، ولهذا أولى العلماء تنمية القدرات ورعايتها اهتماماً بالغاً؛ فالعالم الفذ (توماس ألفا إديسون) كان جذوة متوقدة متأججة من العبقرية والذكاء والنبوغ والإرادة والعمل؛ فقد بلغ من العمر أربعة وثمانين عاماً وكان يعمل في اليوم الواحد ثماني عشرة ساعة، وهو القائل: إن العبقري يتكون من 1% إلهاماً و99% عملاً. أما العالم أوتو شميدت فقد زاد من وقت قراءته ومطالعته وبحثه حيث قلّص وقت نومه إلى ست ساعات فقط في اليوم الواحد، والجزء الأعظم من وقته كان في طلب المعرفة والجدّ والكدّ والاجتهاد في القراءة فصار بذلك عالماً عظيماً.

ولنا في عباقرة العربية قدوة حسنة؛ فهذا الجاحظ شيخ الأدباء في عصره، والمتنبي شيخ الشعراء في زمانه، وابن تيمية شيخ العلماء في وقته، قيل عنه إنه كان يقرأ في تفسير الآية الواحدة والسورة الواحدة مئة كتاب، فلله درهم.

وأبو نواس شاعر فحل يقول عن نفسه في فترة الطلب (رويت لستين أو سبعين امرأة من الشاعرات فكيف بالرجال). وهم بهذا رعوا جذوة مواهبهم وصقلوها علماً واجتهاداً وقراءة وتطلعاً، بل إن بعضهم كان قتيل كتبه، والجاحظ قصته في هذا الباب مشهورة، وثعلب إمام وشيخ اللغويين في عصره كان مصاباً بآفة الصمم فلا يسمع، وخرج من مجلس علمه وحديثه وهو ينظر في كتاب فإذا برجل يركب دابة يصطدم به، فبسبب صممه لم يسمع الصوت، وبسبب شغفه بالقراءة لم يتمكن من رؤية الراكب فسقط في حفرة مغشياً عليه، فحُمل إلى داره ثم مات، فكان حتفه في كتابه - رحمة الله عليه - ولكننا نقول كما قال المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم

أو كما جاء في بيت شعري آخر:

لا تحسب المجد تمراً أنت آكله

لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

- تأليف: الأستاذ فهد بن صالح الحمود


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد