إلى تلك السيدة التي لم أر مثلها في حياتي، زهدها، عفتها، وحبها للناس.. عاشت طفولة قاسية، وواجهت حياة أقسى جرت بها الأيام والأقدار.. كبُرت فعرفت الله حقَّ معرفته.. تلك (الأُمية) التي لم تعرف القراءة ولا الكتابة ألهمها الله بعزمها وإصرارها فاستطاعت قراءة القرآن وحفظه. كانت دوماً قريبة من الله، لم تلهها الدنيا ومتاعها، لم يغيّرها الزمن من شيء..
منذ ثلاثين عاماً مضت وهي كما عهدتها دوماً، جليسها القرآن، محدثها إذاعته، تأنس لسماعه، وهو رفيقها في الحل والترحال،
ثلاثون عاماً..
لم أفق من نومي في السحر إلا وهي تُناجي خالقها، كان الأذان إشارة لانقطاعها عن الدنيا وملذاتها، لو كنت في الطريق وأنا أحملها صرخاتها توقفني، (نادى المنادي فأجب في الحال). (دعني أُصلي، لا تؤخّرني)..
لم تكن تعشق في الدنيا سوى (القرآن والصلاة، تفتح عينيها عليهما وتغمضهما عليهما، ثلاثون عاماً مضت، رحلتها إلى مكة تعني لها الأرض وما أخرجت..
ثلاثون عاماً مضت، لم أر دموعاً مثل دموعها لفراق شهر رمضان.. عجباً، بكاء وحزن يوم عيد!
ثلاثون عاماً لم أعرفها وثلاثون عاماً أعرفها.. مرضت (لعل الله كان يُطهّرها)، وقضت أنفاسها الأخيرة وهي بين يدي بارئها في صلاة الظهر من يوم الخميس الخامس والعشرين من جمادى الآخرة..
أي المساءات ذاك المساء المفجع؟! مساء اليتم يا أمي..
أمي حبيبتي.. لم أكن أعلم وربما، لم أكن أريد أن أعلم أن الإشارة لكلمة الأم ستشعرني بهذا القدر من الألم والحنين، ها أنا ذا متعطش لسماع دعواتك لي، متلهف لتقبيل يديك ورؤية ابتسامتك المشرقة.. تحرقني الدموع لفراقك، لكني مستبشر بحسن خاتمتك.. فإلى جنان الخلد يا أمي.. (اللهم أنت تعلم أنها لو كانت ضيفتي لأكرمتها والآن هي ضيفتك فأكرمها يا أكرم الأكرمين).