Al Jazirah NewsPaper Thursday  09/07/2009 G Issue 13433
الخميس 16 رجب 1430   العدد  13433
ثقافة المشي!
محمد بن عبد الله الحسن

 

انتشرت في السنوات العشر الأخيرة في مجتمعنا المحلي أمراض عديدة، بعضها كانت أمراضاً عصرية وأخرى أمراضاً مزمنة، اختلفت وتعددت تلك الأمراض والسبب واحد، السمنة المفرطة الناتجة عن قلة الحركة، وتأتي التقنية الحديثة ووسائل الترفية العصرية وسائل تدعم وترسّخ تلك المفاهيم والسلوكيات الخاطئة لدى الكثير من الناس، فتجد جهاز التحكم عن بُعد يفتح بوابة المنزل، ويضيء مصابيح الغرفة، ويرسل ترددات الرائي وكل تلك الأحداث يديرها الإنسان دون التحرك من مكانه شبراً واحداً، ناهيكم عن تلك الوسائل الترفيهية الملهيّة المدمرة!، التي تدمر العقل والجسد لمزاولها، غير أن تلك الظواهر الأخيرة كانت وما زالت تدق ناقوس الخطر في أذهان الكثيرين حتى بدأت شرائح المجتمع المختلفة تتغذى بتوعية كافية نوعاً ما، فما انتشار النوادي الرياضية، وممرات المشاة، إلا خير شاهد على أن هناك فئة لا بأس بها من الناس أصبح لديهم الوعي الكافي بأن هناك مشكلة لا بد من مواجهتها وهي قلة الحركة أمام السمنة المفرطة، فأصبح من الطبيعي جداً أن تجد رجلاً وبجانبه امرأته يمشيان في أحد الطرقات ويزاولان رياضة المشي، وتلتفت هناك لتشاهد مجموعة من الشباب يزاولون نفس الرياضة، وهي ظاهرة صحية بلا شك، لأن المستفيد من رياضة المشي هو الجسد بكامل أعضائه، فنجد أن من بين من يمارس تلك الرياضة أفراداً أجسامهم رياضية، ولكن المشي له أثره الإيجابي على نفسيته وصفاء ذهنه وطمأنينة عجيبة يجدها من يمارس المشي، وهناك من جعل رياضة المشي وقتاً للتخطيط ومراجعة النفس وتحديث أهدافه وخططه في حياته، وفوائد رياضة المشي يصعب على أي كاتب حصرها واختزالها في مقالة كهذه، لأن المهتمين من الأطباء والمتخصصين أفردوا لها مؤتمرات وبحوثاً ودراسات، ولكن لا مانع من ذكر خلاصة ما توصل إليه المختصون من الفوائد المجنيّة من رياضة المشي فعلى سبيل المثال، (يفيد المشي في تحسين أداء القلب والمحافظة على صحته وخفض الكولسترول وخفض ضغط الدم وتحسين التمثيل الغذائي والاستفادة من العناصر الغذائية، إذ تشير الدراسات إلى أن معدل التمثيل الغذائي يكون بطيئاً لدى الإنسان البدين الذي لا يمارس الحركة، بينما التمثيل الغذائي يكون سريعاً لدى من يمارس الحركة أو الرياضة ويقوي العظام ويحافظ على صحة المفاصل ويقوي العضلات ويخفف من حدة التوتر النفسي، إذ إن الرياضة بشكل عام تساعد على إفراز هرمون الإندروفين الذي يمنح الإنسان الشعور بالراحة والسعادة.. ورياضة المشي بذلك تخفف من حدة التوتر والشعور بالقلق والاضطرابات الناجمة عن ضغوط الحياة اليومية التي لا تنتهي، وعن طريق مزاولة الأنشطة الرياضية بما في ذلك رياضة المشي يحصل الإنسان على مفهوم الذات من الناحية الإيجابية حيث يشعر بالسعادة والسرور والنظرة المتفائلة عن شخصيته وذاته) (1).

وكم هو جميل أن تنتشر ثقافة رياضة المشي في مجتمعنا حتى نعيش في تلك الفوائد الذي ذكرتها فيما سبق، غير أن هناك صعوبات تواجهنا، أولها العوامل البيئية وتنقسم إلى جزأين.. فالجزء الأول الصعوبات البيئية المناخية، خصوصاً في بعض مدننا وتتلخص تلك الصعوبة في سوء الأحوال الجوية في بعض الأحيان كموجات الغبار التي تجتاح بعض مدننا في بعض أيام السنة، وهذه لا بد من التعايش معها لأنها أزمة لا نستطيع عمل أي شيء معها سوى التعايش قدر المستطاع بما لا يعود بالضرر على صحة أجسادنا، والدليل أني رأيت الكثير من الناس يزاول رياضة المشي رغم عدم صفاء الجو تماماً، أما بالنسبة للجزء الثاني من الصعوبات وهي الصعوبات البيئية المكانية، وهذه الصعوبة تتمثَّل في قلة الأماكن المخصصة للمشي، فعندما نرغب في مزاولة رياضة المشي في أي وقت من الأوقات لا نجد المكان المخصص للمشي، واختصار تلك الأماكن في ممر المشاة الكائن في طريق الملك عبدالله، أو طريق النهضة لا تكفي أبداً لمدينة كبيرة كالعاصمة الرياض!، ولكن الحاجة أم الاختراع، فدائماً ما يتكرر أمامنا مجموعة من الناس تزاول تلك الرياضة على أسوار مدينة طبية!، أو داخل شوارع الحي، أو على أرصفة الطرق السريعة غير المهيأة، وهي وسائل بديلة بدائية جداً، ولكن حال أولئك أنه إذا لم يكن إلا الأسنّة مركباً، فما حيلة المضطر إلا ركوبها.

إننا اليوم بحاجة ماسة إلى تخصيص ممرات للمشاة في كل حي من أحياء مدينة الرياض وباقي مدن المملكة، لأن الحمل على الجهات ذات العلاقة كبير جداً في التوعية بأمراض العصر وسبل تفاديها ورياضة المشي تأتي على أعلى رأس هرم سبل تفادي الوقوع في تلك الأمراض حمانا الله وإياكم منها، ولكن عندما يكون الوعي بنسبة كافية لدى الناس، ولكن لا يجدون البيئات المناسبة لذلك فتلك عين المشكلة وصلب المعضلة.

نتمنى أن نشاهد اهتمام أمانة مدينة الرياض في تأهيل أماكن وممرات مناسبة ليزاول الناس رياضة المشي في أي وقت وفي أي مكان والبُعد عن الطرق البدائية التي يُعمل بها حالياً، وأتذكر أني كنت يوماً من الأيام أسير في طريق المشاة الواقع بطريق الملك عبدالله، ورأيت لوحة جميلة تحمل عبارة (المشي منظر حضاري)، ونحن نقول حتى يكتمل المنظر الحضاري أكثروا من مثل هذه الممرات المخصصة للمشاة في مدن مملكتنا الحبيبة.

(1) موقع طبيب.كوم


(*) عضو الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية (جستن) alhassan@cti.edu.sa

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد