كثيرون يفدون للحياة كل يوم معلنين عن قدومهم ببكاء متواصل لعله يشير إلى طول المعاناة التي سيمتزج بها القادم وتمتزج به طيلة أيامه في هذه الدنيا..
وبنفس اللحظة يغادر الحياة كثيرون وهم صامتون بعد ان استنفدت أجسادهم كل طاقاتها عبر مسيرة تطول وتقصر بقدر السنين و"إن شئت فبقدر العطاء مهما كان نوعه أو عنوانه.
ليحضر البكاء مرة أخرى ولكن هذه المرة من المودعين وليس من المغادرين ولإيمانهم بأن الموت قدر كل حي وأن هذه سنة الله في عباده وأننا جميعا لله وإنا إليه راجعون عندها تطمئن القلوب وتسلم بقضاء الله وقدره ويزداد تسرب الهدوء إلى النفس مع استذكار المواقف المشرفة للفقيد لتنشيط الذاكرة بسرد العديد من المواقف التي قبل فترة وجيزة لم تكن ضمن جدول أعمال أو مهام هذا اليوم على الأقل.
هذا ما انتابني أثناء تصفحي لعدد (الجزيرة) يوم الأربعاء الموافق 176 1430هـ حيث قلب موازين يومي خبر بارز ضمن الأخبار المحلية يفيد بانتقال الشيخ الفاضل محمد العبدالله الجاسر المدير الإداري لمحاكم القصيم سابقا من دار الفناء إلى دار البقاء.
تسمرت عيناي على أحرف النعي وطاف في مخيلتي العديد من الصور لهذا الرجل الرمز الذي عاش نبض وطنه ومواطنيه كل ساعات يومه عبر العديد من الإضاءات الحقيقية المتخمة بالمضمون المشاهد والملموس لم تنس أذني خطبه وخطاباته المرتكزة على بحر من المعرفة بمختلف فنونها.
عندما كنت بالمرحلة المتوسطة كنت أراقبه رحمة الله عليه عند خروجه من منزله بشارع الملك فيصل ببريدة متوجها إلى الجامع الكبير لإلقاء خطبة الجمعة كل أسبوع في أوائل التسعينيات الهجرية، كما كنت أحرص على متابعة الشيخ محمد الجاسر عندما يطل على جمهور محطة تلفزيون القصيم كل أسبوع أيضا عبر برنامج وعظي كان يعده الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله، وإضافة إلى هذا كان للجاسر حضور واضح عبر العديد من المقالات الاجتماعية الهادفة في جريدة (الجزيرة).
والمحاضرات والندوات التي كان رحمه الله يشارك فيها بناديي التعاون والرائد مشاهد كثيرة تجعل مثل هذا الرمز جديرا بالتكريم وتخليد اسمه من خلال تسمة احد شوارع بريدة الرئيسية باسمه مطلب أظنه لا يغيب عن أذهان أعضاء مجلس أمانة منطقة القصيم وهذا اقل ما يمكن تقديمه لرجل بمثل حجم محمد الجاسر قدم من خلال جمعيات البر وتحديدا تلك التي كان يرأسها الشيخ صالح الخريصي رحمه الله العديد من الخدمات لفئة عزيزة من أبناء المجتمع أولئك المتعففين الذين يرضون بالفقر المقترن بالكرامة ويرفضون الغناء المطرز بالذل.
دافع عن الكثير من قضايا المجتمع عبر منابر متعددة ولم يغادر ذاكرتي ذاك المشهد في عام 1400هـ عندما ألقى رحمه الله كلمة الآباء بحفل تخرج طلبة الثانوية العسكرية بالقصيم آن ذاك بحضور صاحب السمو الملكي الأمير عبدالاله بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم وكان لم يمض على تولي سموه مقاليد إمارة منطقة القصيم سوى عدة اشهر حيث ان براء الجاسر خطيب صريح واضح يشير إلى الاشياء بعينها وينعت الأخطاء والخطايا بأسمائها جعل بعض الحضور ينبهر بهذا المستوى من الطرح وبعض الآخر وجد به خروجا على الخطوط الحمراء مما دعا سمو الأمير عبدالاله ان يطلب من الشيخ الجاسر رحمه الله الاكتفاء بما ذكر من سلبيات على أن يكمل نقاطه المتبقية بديوان سموه بالإمارة غدا، وقد كان لي شرف تقديم هذا الحفل ونقل رغبة الأمير عبدالاله للخطيب محمد الجاسر أثناء إلقاء كلمته مما دعاه إلى اختصارها نزولا لرغبة سمو الأمير وقد كان لهذه الكلمة ما بعدها على الصعيد الوظيفي له رحمه الله.
ولكن رغم خسارته الشخصية إلا أنه كان يفيض سعادة عندما يشعر أنه قد أوصل صوت الفقير وجسد معاناته وكان له على هذا الصعيد العديد من المبادرات الشخصية لمساعدة الكثيرين على التخلص من دين أو إتمام زواج أو شراء مسكن من خلال مكاتبة قيادة هذه البلاد متمثلة بخادم الحرمين أعزه الله وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني والعديد من الأمراء الكرام منهم على سبيل المثال الأمير طلال بن عبدالعزيز وآخرون، وكان لقلم محمد الجاسر مصداقية لدى القيادة لكونه ابن المجتمع والأقدر على معرفة ظروف أفراده وله سجله الخدمي في العديد من المناسبات والمواقف.
لم أستطع إكمال قراءة عدد (الجزيرة) في ذلك اليوم فقد أخذت سيرة هذا الراحل العزيز بمشاهدها المتتابعة المليئة بالحب والعطاء للوطن وأبنائه تحاصرني طيلة ذلك اليوم والأيام التي تلته حتى كتابة هذه الحروف التي أتشرف وعبر (الجزيرة) أن أقدم من خلالها أصدق عبارات العزاء لبريدة كل بريدة وخاصة البسطاء منهم على رحيل واحد من أبنائها الأوفياء، وأكرر أملي بأن تظل مثل هذه الرموز بيننا عبر تخليد أسمائهم بأي شكل يراه أبناء بريدة ومسؤولوها وعزائي لأبناء وبنات واسرة الفقيد رحمه الله رحمة واسعة وإنا لله وإنا إليه راجعون.