العلاقات بين المجتمعات وبين الشعوب وبين الأفراد أنفسهم في المجتمع الواحد أو الشعب الواحد تقوم على مد جسور أو بناء جدران.
فالجدران تقام لمنع أي تواصل واتصال بين طرف وآخر، والجسور تُبنى للتواصل بين طرف وطرف أو بين أطراف وأخرى.
والبشر في هذه المسألة تتعدد أصنافهم ما بين بانٍ لجدران على الدوام، أو بانٍ لجدران وجسور في آنٍ واحد، وثالث باٍن لجسور فقط.
فمن يجد الراحة والدعة والطمأنينة في بناء الجدران بينه وبين مَن حوله بلا استثناء، فهذا برأيي أنه لا يعرف فن الحياة والتعامل مع محيطه، بل إنه عاجز وفاشل، وضحل، ولا عمق لديه البتة، فالكل فاسد، والكل ضار، ولا فائدة من التعرف على الناس، والتواصل معهم، بل إنه يرى ذلك مدعاة للهم والغم!!
ومَن هذا حاله كم هو بحاجة إلى جسر يُمَد إليه ولو (قسراً) ليتمكن من رؤية الشمس، ويتحرك ماؤه (عقله) الآسن، وسط أنهار العقول المحيطة به.
أما الذي يبني جسوراً وجدراناً في الوقت نفسه مع مَن حوله فإنه لا شك أنه انتقائي في علاقاته، فتراه يقيم جسراً متيناً مع فرد أو فئة من البشر يراهم هم الصالحون، وهم النافعون له الصادقون معه، المخلصون له. ويشيد جداراً فولاذياً ذا طبقات لحجب التواصل ومنع الاتصال بينه وبين فرد أو فئات من الناس يرى أنهم لا يناسبونه ولا يناسبهم في أي شأن من شؤون الحياة، ويرى هؤلاء وأولئك لا نفع من ورائهم فلا ضرورة لمد الجسور معهم، فالنفعية هي مذهبه، والمصالح هي التي تحدد لديه بناء جسر أو إقامة جدار!
ألا يعلم هذا الصنف من البشر أنه قد يبني جداراً يحجب عنه أقرب الناس وأصدقهم وأكثرهم حباً له وغيرةً عليه؟
وقد يمد جسراً يصله بمن يود له الخسران ويسعى في فساده؟
أما النوع الثالث وهو مَن يبني جسوراً مَع الكل دون انتقائية وبلا تحديد، بل إن بعض أفراد هذا النوع من البشر يتفنن ويبدع في مَد جسور التواصل مع مخالفيه أكثر مِن مدها مع موافقيه. ويمدها مع مَن يسيء إليه أكثر من مدها مع مَن يحسن إليه، فهذا لا شك أنه إنسان واثق من نفسه، وحكيم، وحصيف، ومن حكمته وحصافته أنه يعلم أن الجسر الذي ينتقل بواسطته من (مكانه) بإمكانه أن يَرجع من خلاله إلى المكان ذاته. كما أنه واثق مِن أنَّ مَن يأتي إليه عابراً هذا الجسر، فإنه أكثر ثقةً بأنه سيعود من الجسر الذي أتى به في حال عدم (توافقه) معه أو عدم (تعايشه) معه!
إن الجسور التي تُمَد للتواصل البَنّاء والجدران التي تُقام للقطيعة الهدامة لا تكلف آلاف الأطنان من الحديد والأسمنت والرمل، بل إن الجسر يبدأ بابتسامة وكلمة لطيفة، والجدار يبدأ بتجهم وعبوس، مروراً بهدية هنا أو شتيمة هناك... إلخ.
ومضة: الواثق الجَسور يَمد الجُسور.
Alboraidi@hotmail.com