Al Jazirah NewsPaper Thursday  09/07/2009 G Issue 13433
الخميس 16 رجب 1430   العدد  13433

متديِّنون ظاهراً مخادعون باطناً!!
د. علي بن محمد الحماد

 

لا أقصد بحديثي هذا فقط فئة المتدينين أو الملتزمين إن صحّ إطلاق هذه التسمية عليهم، فالعلماء يقولون نقول: (مستقيم) ولا نقول: ملتزم، أخذا بقوله سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}.. {نَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}، علماً أن الساحة الإسلامية الكبرى مليئة بفآم كثيرة من الناس لا يظهر عليها سمات الاستقامة الظاهرة لكن لهم من الأعمال الظاهرة والباطنة، وحبِّ الله ورسوله، وغَيْرة على حرمات الإسلام ما لم يَدُر بالبال، أو يخطر بالخيال!! فكم وقفنا على تبرعاتهم، وغَيرتهم إذا انتهكت حرمات الله، وأياديهم النّدية للأيتام والفقراء والمساكين، نعم كم نرى من هؤلاء من يتسنّمون الروضة في المسجد ويصطفون خلف الإمام مباشرة، وقد سماهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أولي الأحلام والنُّهى..).

وعلى العكس من ذلك تماماً أقول ربما رأيت من يتمسّح مسوح الدين، ويتزيا بزيّه ظاهراً، وأعماله وتصرفاته أبعد ما تكون عن الهدي المنيف للوحي الشريف!!

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ}.

وحديثي هذا أقصد به جميع المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله ويصلي صلاتنا، ويتّجه إلى قبلتنا، ويأكل ذبيحتنا وأخص بالذكر الذين منّ الله عليهم بالهداية لأنهم يمثلون أعظم ديانة، ويقتدون بأسمى وأشرف قدوة عرفه التاريخ...! فهل نحن نُمثِّل الإسلام بهدية، ومروءته، وآدابه، وأخلاقه؟؟

هل نحن نمثل الإسلام في هذ العصر الإعلامي الرهيب الذي ينقل تصرفاتنا (طيبها وخبيثها) على أنها تعاليم الإسلام!!

هل نحن نمثل الإسلام في عصر سباق الفضائيات المحموم للحصول على السبق الإعلامي؟! إن هناك جمعاً غفيراً من الناس يصدون عن سيبيل الله بأفعالهم وأحوالهم التي يبرأ منها الإسلام كما برئ الذئب من دم ابن يعقوب!!

عذراً لك أيها العملاق العظيم من صنيع بعض أبنائك الذين جعلوا من صورتك التخلف، والتكفير، والتفجير، وحَزّ الرؤوس وبَقر البطون باسم الجهاد!!

اللهم إنا نبرأ إليك من صنيعهم!! عذراً لك أيها الإسلام العظيم.

عذراً لك أيها الطّود الشامخ العظيم من شطحات من يتظاهرون بالتمسك بهديك وتصرفاتهم تُنفّر من الدِّبن، وتَصدّ عنه بالفوضى وسوء الأخلاق، وعدم إتقان أعمالهم، وعدم أداء الأمانة الوظيفية بالشكل المطلوب... عذار لك رسَول حيث صور هؤلاء الناس أنهم يقتدون بك (والحقيقة أن بينك وبين أخلاقهم كما بين المشرق والمغرب)!!

هؤلاء الذين:

إذا انتصبوا للقول قالوا فأبدعوا

ولكنَّ حُسْن القول يُخْلفُه الفعلُ

وذمّوا لنا الدنيا وهم يرضعونها

شُرساءَ حتى لا يدّر لها ضرُع!!

فهل تصرفاتنا في الشارع، ومع العمالة والخدم، والبيع والشراء، وأمام من يدخلون بلادنا من المعاهدين والذميين والمستأمنين وفي أعمالنا في الجهات الحكومية والمدارس أترك الجواب لفطرة القارئ الكريم، والسامع الحكيم!

الله سبحانه وتعالى يحذر المسلمين من كل تصرف مشين لا يليق بالإسلام، ولأنه إذا صدر من المسلم حتماً سينسب إلى الإسلام نفسه لا محالة.

فإذا رآه غير المسلم أو من هو حديث عهد بالإسلام، أو من ينوي الدخول في الإسلام إذا رأوا تصرفاتنا في البيع والشراء، والمكر والخديعة، والكذب، صدوا وأعرضوا عن دين الله واستمروا بكفرهم أو ارتدوا على أدبارهم، أو انتكسوا على أعقابهم عن دين الله!!

فنكون نحن الذين صددناهم عن دين الله بتصرفاتنا، وأفعالنا وأقوالنا!!

وفي ذلك يقول تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ} أي عهودكم ومواثيقكم (دَخَلاً بَيْنَكُمْ) أي مكراً وخديعة وغشاً وكذباً ثم قال: (فتزل قدم بعد ثبوتها) أي ترتد عن دين الله، وترفض الدخول فيه، ثم ختم سبحانه نتيجة هذه الأعمال إذا صدرت من أبناء الإسلام بقوله:{وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ} ثم رتب الجزاء على تلك الأعمال بقوله:

{وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فسمى سبحانه هذه التصرفات صّدّ عن سبيل الله، ووعد مرتكبها بالعذاب والنكال الأليم!!

وإن المرء ليعجب أن هذه هي شرائع الإسلام السمحة التي تحترم الصغير والكبير، والأمير والوزير، والذمي والكافر، وحتى البهائم قال صلى الله عليه وسلم (عذبت امرأة في هرّة) وقال: (دَخَلتْ الجنة بَغِيُّ في كلب سقته بخفها...) ومع ذلك لا يدخل الناس في دين الله أفواجاً؟

لا سيما ونحن في هذه البلاد بالذات ترمُقنا عيون العالم، وتَرنو إلينا أفئدتهم، وتؤمنا قلوبهم في اليوم خمس مرات، فهي مهبط الوحي، والأرض المقدسة، ومأزر الإسلام... الخ.

إذاً فالأمانة في أعناقنا أكبر، فهل يا تُرى مثلنا الإسلام وآدابه وسماته في الداخل والخارج حق التمثيل؟؟ لأن كل من رأى منا أمراً محموداً، أو مذموماً لن يعتبره تصرفاً فردياً، بل سينعكس هذا الانطباع الحسن أو السيء في مخيلته عن الإسلام نفسه.

وهذا المبدأ وهو الحفاظ على سمعة الإسلام قد أولته الشريعة غاية الاهتمام... فقد ترك صلى الله عليه وسلم قتل عُتاة المنافقين خشية أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه!! وجعل من شعائر الطواف في البيت العتيق أن يُظهر الطائف كتفه الأيمن حتى لا يتحدث الناس أن أصحاب محمد وَهَنتهم حُمّى يثرب.. الخ.

ali5001@hotmail.com - الموجه الشرعي -محافظة رياض الخبراء

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد