ثمة حاجة مجتمعية للتأكيد على أن وزارة الشؤون الاجتماعية بهيكلها التنظيمي والإداري والفني في مجال الرعاية الاجتماعية تستهدف في الأساس الدفع بإمكانات تحسين علاقات التواصل في الواقع الاجتماعي وتوجيهها لما هو أفضل وإحاطة المجتمع بسياج من الأمن والأمان والاستقرار، فضلاً عن تفعيل البرامج الرعائية الموجهة لفئة من المواطنين اعترت مسيرتهم الحياتية بعض من مشكلات اجتماعية أعاقت توافقهم الفاعل مع المجتمع، وهددت كيانهم حيث توارى عنهم إمكانات التصرف الحسن في هذه المشكلات، كما أعيتهم الحيل في تجاوزها أو إرجائها أو التعامل معها؛ ما أوجب ضرورة التدخل المهني من قبل قطاعات فنية متخصصة في فروع العمل بهذه الوزارة، ويساعد في هذا العمل القطاع المدني (الجمعيات الأهلية) وفقاً لميدان الشهر وتوافر الأخصائيين، وهذا كي لا تعيق المشكلات الاجتماعية مسيرة النمو والتطوير والتقدم.
وبناء عليه فقد أنشأت الوزارة وحدة تحت مسمى (وحدة الإرشاد الاجتماعي)، وهي موقوفة الآن لظروف فنية، وجاء ضمن مهام هذه الوحدة تقديم الخدمات الإرشادية لمن يطلبها، وتقديم المساعدة الفنية الممكنة بما يتفق مع محتوى ثقافة مجتمعنا، مع الوضع في الاعتبار أن هذه الخدمات تقدم عبر ما يُعرف بالخط الساخن (الهاتف المجان)، وأعلن عند إنشاء الوحدة إمكانية العمل مع المشكلات الشخصية أو النفسية أو الأسرية أو الدراسية أو الشرعية أو المهنية أو الاقتصادية.. وكل هذا يتم عبر الهاتف؛ ما يتوجب معه وجود أخصائيين في هذه الوحدة لإمكانية الرد على الاستفسارات القادمة عبر الهاتف.
وفي تقييم للمنجز من عمل الوحدة تبين من ثنايا الكتاب الأخصائي السنوي لوزارة الشؤون الاجتماعية للعام 1426-1427هـ أن إجمالي عدد الشكاوى التي تلقتها الوحدة 6925 مشكلة شملت (مشكلات زوجية 320 حالة، ومشكلات أسرية 1283، ومشكلات دراسية 177، ومشكلات سلوكية 319، ومشكلات صحية 70، ومشكلات اقتصادية 93، ومشكلات وظيفية 75، وحالة إدمان 84، وحالات نفسية 1868، ومشكلات شرعية 292، ومشكلات عاطفية 289، وحالات أخرى 174 حالة).
ونظراً لطبيعة التقرير كون أنه إحصائي فلم يتطرق لعملية تحليل هذه البيانات؛ فمثلاً المشكلات الزوجية وهي تحتل أعلى نسبة في التقرير بلغت 31.8% من إجمالي حجم المشكلات التي تلقتها الوحدة، ما هو اتجاه هذه المشكلات وما هي الظروف المحيطة التي تسببت في الموقف الإشكالي؟ وما هي تلك الأسباب الداخلية والخارجية التي كانت وراء وقوع المشكلة؟ ما هي خصائص الموقف الإشكالي؟ وما هي المعالجات التي تمت بشأنها؟ وهل تم إشراك جهات أخرى توعوية لتلافي انتشار فعل هذه المشكلات؟ وهل المعالجات التي رسمت لعلاج هذه المشكلات موضوعية وتتلاءم مع الواقعية المطلوبة والإمكانات المتاحة؟ هل (الخط الساخن) كان للتعرُّف على حقائق المشكلة وإمكانية تشخيصها بفنية وبمهنية؟ وهل استطاعت الوحدة بمعرفة الخط الساخن الانفتاح على المجتمع للوقوف على حاجاته الأساسية والإسهام في ترقيته بفعالية؟ هل تم تقييم عمل هذه الوحدة لمعرفة وعمل المقارنات اللازمة للوقوف على تفسير علمي لما آلت إليه أوضاعها؟ وهل تراجع مستواها عما كان متوقعاً منذ بدايتها؟ فمهام هذه الوحدة لم تكن قاصرة على مجرد التلقي للمشكلة وتعرف أعراضها الظاهرة دون التقصي عن الأسباب للتعامل معها؛ لأن بعض المشكلات معقدة ومستعصية وعملية التشخيص يجب أن تكون عملية مستمرة ومشتركة لا ينفرد بها الأخصائي وحده، ولا بد من اشتراك الشخص نفسه في التشخيص والعلاج ومن ثم فالمقابلة المهنية المقننة لا بد أن تتم وجهاً لوجه لإمكانية التعرُّف على العوامل المسببة والهيئة لوقوع المشكلة حتى يمكن التعامل مع هذه الأسباب لتلافي وقوعها مرة أخرى.
وإن التصوُّر لدى المواطنين لعمل هذه الوحدة وأنشطتها أنها مركز تنوير وفكر وبحث ودراسة حتى تأتي مخرجاتها في مستوى الطموح الذي نأمله جميعاً، وبما يتوافق مع تطلعات المجتمع في استثمار قواه البشرية، وكل لما هو ميسر له.
وإزاء هذا نود أن نوضح أن مهام هذه الوحدة بخطها الساخن ليست شكلية، لكنها تتعامل مع مشكلات مركبة متعددة الجوانب والأوصال ومتعددة المظاهر مثل مشكلة الإدمان أو مشكلة اللاسواء السلوكي؛ فقد ترجع لظروف نفسية أو أسرية أو اقتصادية أو صحية أو اجتماعية (تفكك أو تصدع أسري أو رفقة السوء أو المحاكاة لما يشاهد في الفضائيات أو في الخروج حيث الاستغراب، فضلاً عن مستوى الذكاء والقدرات وحجم ونوعية الخبرات المتحصلة.. وقد ترجع المشكلة إلى أحد هذه العوامل أو بعضها أو جميعها. وبناء عليه: هل يمكن للأخصائي التعرُّف من خلال الخط الساخن على هذه العوامل حتى يتمكن من التعامل معها وتقديم المساعدة المناسبة؟ هل يستطيع صاحب المشكلة نفسه أن يتجاوب نفسياً وعقلياً مع الأخصائي عبر الهاتف؟
إن بؤرة اهتمام الشخص المشكل من أهم الوسائل المؤدية لتفهم المشكلة ورسم الوصفة العلاجية ومتابعة سيره في مدارج العلاج؟
والرأي لدينا أن الذي يتم عن طريق الخط الساخن هو عبارة عن علاج موقف وليس علاج مشكلة؛ لأن العلاج (حسب مهنة الخدمة الاجتماعية) يبنى على تشخيص المشكلة تشخيصاً شمولياً يتطلب إنشاء علاقة مهنية، وهي علاقة غائبة تستهدف حل المشكلة، ودراسة البيئة، ودراسة شخصية صاحب المشكلة ذاته والخبرة السلوكية وتثمين كل عامل من هذه العوامل.
إنّ أساس العلاقة المهنية هو تفهُّم الحالة الانفعالية المصاحبة للموقف التي تظهر كرد فعل فجائي وتلقائي يتم التعرف عليه من خلال المقابلة الأولية والدورية للمتابعة. ومن مقومات المقابلة: التفريد؛ حيث إن لكل ظروفه واتجاهاته ومعتقده وثقافته وقيمه. وتقبل صاحب المشكلة بما هو عليه من صفات ومن عيوب، والتوجيه الذاتي الملتزم والتعبير الهادف عن المشاعر، والتفاعل الوجداني بما يشعره بالاستجابة الصادقة لمشاعره مع تجنب إدانته وصيانة أسراره الخاصة التي يحرص على الاحتفاظ بها لنفسه.
فإذا ما توافرت هذه المقومات تكونت بالضرورة العلاقة المهنية أساس الرضا بخطة العلاج.
والرأي لدينا أن تنقل هذه الوحدة لإحدى المؤسسات على أساس أن تضم مركزاً للاستقبال تلجأ إليها الحالات طالبة الخدمة، ويزود بالأخصائيين الفنيين في دروب العمل المختلفة مع بقاء الخط الساخن لتلقي الاتصالات وإبداء النصح للحالات الطارئة، والحالات التي تحتاج للمقابلة تحال لمركز الاستقبال مع تفعيل المقومات السابق ذكرها.