النخلة سيدة الشجر ودائمة النفع للحيوانات والبشر، قال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ}, فخص - سبحانه - النخل من بين الأشجار بالذكر لشرفها ووصفها بالطوال التي يطول نفعها وترتفع إلى السماء حتى تبلغ مبلغاً لا يبلغه كثير من الأشجار فيخرج منها الرطب والتمر رزقاً للعباد قوتاً وأدماً وفاكهة يأكلون منه ويدخرون.
والنخلة شجرة مباركة طيبة، فهي من أهم مصادر الغذاء وأهم ثروة حرص عليها الآباء والأجداد فهي تصبر على عوادي الزمن وتعطي تمراً طازجاً ناضجاً. غذاء الفقير، وحلوى الغني، وزاد المسافر، ورمز الإباء والشمم، ولأهمية النخلة ضربها الله مثلاً لأفضل كلمة ألا وهي كلمة التوحيد والإخلاص (لا إله إلا الله) قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، فكذلك شجرة الإيمان أصلها ثابت في قلب المؤمن علماً واعتقاداً (وفروعها) من الكلم الطيب والعمل الصالح والأخلاق المرضية والآداب الحسنة في (السماء) فدائماً يصعد إلى الله من المؤمن الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان ما ينتفع به المؤمن وغيره.
وضربها النبي صلى الله مثلاً للمسلم ففي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وأنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجرة البوادي. قال عبدالله: فوقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة) رواه الإمام البخاري، وفي رواية (إن مثل المؤمن كمثل شجرة لا تسقط لها أنملة أتدرون ما هي قالوا لا قال هي النخلة لا تسقط لها أنملة ولا تسقط لمؤمن دعوة), ومن طريق الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر (إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم)، وبركة النخلة موجودة في جميع أجزائها مستمرة في جميع أحوالها فمن حين تطلع إلى أن تيبس تؤكل أنواعاً ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الدواب، والليف في الحبال وينفع بجريدها وسعفها وحطبها مدى الأيام، فإذا أثمرت تضاعف نفعها لجميع الأنام فإذا خرجت من أكمامها فإنها لا تزال تتساقط فتأكلها الخشاش والدواب والأنعام وكل عام تتكرر منها هذه المنافع إلى أن تسقط وتبيد بعد سنين طوال، فبيت لا تمر فيه جياع أهله وبيت فيه التمر يطمئن أهله إلى فضل الله وينتفعون به غاية الانتفاع.
وبسبب كثرة النعم علينا - ولله الفضل والمنة- وتنوع المنتجات التي تفد علينا من أقطار المعمورة من أصناف المآكل والمشارب بدأ بعض الناس يزهدون في أكل الرطب والتمر ربما لعدم معرفتهم بفوائده أو عدم التجديد في طريقة إعداده وتقديمه، مع أنه ثبت عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه أكل التمر بالزبد وأكله بالخبز وأكله مفرداً وكان يفطر على رطب فإن لم يجد فعلى تمرات، وقد ثبت علمياً أن التمر مقو لشبكة العين يفيد في ضعف البصر وفيه مواد كافية من الأملاح لحماية الجسم - بإذن الله - من أمراض السرطان، وثبت أنه منشط للذهن والفكر ومقو للعضلات والأعصاب والكبد يزيد الباه، وأكله على الريق يقتل الدود.. ومن مميزات التمر فعاليته المؤثرة جداً في منع الضرر من السم والسحر قال صلى الله عليه وسلم: (من تصبح بسبع تمرات من العجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر) رواه الإمام البخاري. واختار بعض الأئمة المحققين أنه يشمل جميع أصناف التمور - منهم الإمام ابن باز - وقد أشار الله على مريم بأن تأكل الرطب (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)، وأثبتت الأبحاث الطبية أن الرطب ميسر لعملية الولادة. قال شقيق بن سلمة: (ليس للنفساء خير من الرطب)، وقال غيره: (لو علم الله شيئاً للنفساء خيراً من الرطب لأمر مريم به).
ولعظم مصالح النخل والأشجار في الدارين حث الشارع على الغرس والزرع فقال صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه صدقة وما أكلت الطير منه له صدقة ولا يزرؤه أحد إلا كان له صدقة) رواه الإمام مسلم. ودخل عليه الصلاة والسلام على أم معبد حائطا فقال يا أم معبد من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر؟ فقالت بل مسلم قال: (فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة) قال النووي - رحمه الله - في هذه الأحاديث فضيلة الغرس والزرع وأن أجر ذلك مستمر ما دام الغرس والزرع وما تولد منه إلى يوم القيامة، وفيها أن الثواب والأجر مختص بالمسلمين وأن الإنسان يثاب على ما سرق من ماله أو أتلفته دابة أو طائر أو نحوها..
فجدير بشجرة هذا نفعها أن يتنافس فيها المتنافسون ويحتسب الأجر والثواب بغرسها المحتسبون.. لا كما صار بعض الناس اليوم يفعلون، حيث أهملوا مزارع الآباء والأجداد أو على أحسن أحوالهم أوكلوا أمرها إلى عمال قد لا يفهمون وبفضلها لا يشعرون، من دون مراقبة ولا اهتمام منهم، وقد كانت أنفس ما يملكه المالكون وأبرز ما يفخر به المفتخرون. فحافظوا على هذه النخيل وأكثروا من زراعتها والاهتمام بها فقد يحتاج الناس إليها مثل حاجتهم سابقاً أو أكثر.
مدير إدارة الأوقاف- المجمعة