Al Jazirah NewsPaper Thursday  27/08/2009 G Issue 13482
الخميس 06 رمضان 1430   العدد  13482

رمضان شهر الخير والإحسان
عبدالعزيز الصالح

 

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

كما قال الشاعر الحكيم:

أتى رمضان مزرعة العباد

لتطهير القلوب من الفساد

فأدّ حقوقه قولا وفعلاً

وزادك فاتخذه للمعاد

فمن زرع الحبوب بغير سقى

تأوّه نادما يوم الحصاد

ما أكثر ما قيل وما كتب عن هذا الشهر الفضيل، على مر الأزمنة فالصوم جُنَّة (أي وقاية) كما ورد في الأثر الشريف.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر، أخرجه البزار وابن ماجة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا أخرجه الطبراني.

فالصوم ركن من أركان الإسلام الخمسة التي يقوم عليها الدين الإسلامي ولا يصح إيمان مسلم إلا بالاعتراف بهذه الأركان، تسليماً وإذعاناً وتصديقاً.

وقد قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد:

(لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وثورتها ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين.

فالصيام له تأثير في حفظ الجوارح الظّاهرة والقوى الباطنة.

كما قال الإمام الغزالي في (الاحياء) (روح الصوم وسرّه تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل.. وهو أن يأكل أكلته التي يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا أجمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه).

فالصيام يصل بالمرء إلى سمو النّفس، واستقامة الخلق وارتباط القلب بالله وسلامة البدن ويرهف الحس ويتقد الشعور ويتيح للوجدان فرصة المشاركة مع آلامهم وبؤسهم بما يقاسيه إخواناً لهم في العقيدة من الفقراء والمساكين من معاناة الفاقة والبؤس، فتمتلئ قلوبهم بعواطف المحبة والشفقة وتمتد أيديهم بالعطاء السخي والهبات الطيبة لتعود البسمة والفرحة والسعادة إلى إخوانهم الفقراء البائسين.

وما أعظم هذا الشهر الفضيل، التي تعددت أفضاله وفوائده المتنوعة التي تعطي جواً روحياً مفعماً بالخير، والحق والطهر والصفاء، حيث يعكف الجميع على تلاوة كتاب الله الكريم في هذه الأيام المباركة، التي أنعم الله على البشرية كافة بكتابه العزيز، ونوره المبين وذكره الحكيم، فأحيا به القلوب، وطهر النفوس، وحرر العقول، وعالج به مشاكل الإنسانية ورسم لها النهج القويم للحياة العزيزة الكريمة.

ينتهز كثير من الشعراء قديماً وحديثاً فرصة قدوم هذا الشهر الفضيل، فيجعلون من قدومه مجالاً لإلقاء الشعر في جو يسوده الصفاء والنقاء كما يعبر ذلك الشاعر المعز لدين الله الفاطمي في استقباله لهذا الشهر العظيم:

يا شهر مفترض الصوم الذي خلصت

فيه الضمائر والإخلاص للعمل

أرمضت يا رمضان السيئات لنا

بشر بنا للتقى علا على نهل

فليت ظلك عنا غير منتقل

بصالح وخشوع غير منفعل

وليت شهرك حول غير منقطع

صوم وبر، ونسك فيه متصل

وقال مصطفى صادق الرافعي وهو:

يحيي شهر رمضان، فرحاً بمقدمه:

فديتك زائراً في كل عام

تحيا بالسلامة والسلام

وتقبل كالغمام يفيض حينا

ويبقى بعده أثر الغمام

وكم في النّاس من كلف مشوق

إليك وكم شجي مستهام

والصوم عبادة بين العبد وربه

لارقيب عليه إلا الله وضميره

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام، والشهوة فشفعني فيه، ويقول (القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه: قال: فيشفعان)، وعلى هذا النحو يجب على المرء أن يفهم أن الصوم امتثالاً لأمر الله عز وجل فما دام الأمر صادراً من رب العباد فلا مجال هنا لأعمال الفكر والعقل معاً.

فيجب أن نسمو بالعبادة ونرتفع بها عن المستوى المادي تعظيماً لله الذي يدين له كل كائن في هذا الوجود هذا هو شهر رمضان المبارك وهذه آثاره العظيمة وغاياته الجسيمة فعل المرء أن يستقبل هذا الشهر العظيم بروح تتطلع إلى أداء هذا الركن العظيم بروح تتطلع إلى أداء هذا الركن العظيم صياماً وقياماً ابتغاءً لوجهه الكريم وعملاً بقوله تعالى في الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا اجزي به) رواه البخاري ومسلم.

إنه حقاً شهر الخير والتقوى والغفران، وفي الختام نسأل الله تعالى أن يرزقنا الشكر عن فضله، والقدرة على أداء حقوقه، والالتزام بشرعه، وأن يجعلنا من الصائمين الصادقين نهاراً، والقائمين العابدين العاكفين ليلاً، وأن يعيننا على غض البصر وحفظ اللسان وأن يتقبل منا الأعمال والحمد لله رب العالمين.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد