Al Jazirah NewsPaper Thursday  27/08/2009 G Issue 13482
الخميس 06 رمضان 1430   العدد  13482

عبدالرحمن التونسي وعمره الثاني
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف

 

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثاني

من نعم المولى على عبده أن يمنحه التوفيق في مساراته الحياتية محبباً إليه فعل الخير، وحسن التعايش مع بني مجتمعه وإسدائه المعروف وإفشاء السلام على من يعرفه ومن لا يعرفه، مقروناً بإرخاء الحاجبين وبسط الوجه وطلاقة المحيا، فذلك هو مفتاح القلوب بين الأفراد والجماعات، فيا لها من نعمة على الإنسان حينما يتحلى بالفضائل والتواضع الجم، فلقد اطلعت على ما سطره يراع الأخ الصديق الوفي صاحب المبادرات الحميدة المشرفة الأستاذ الفاضل عبدالله بن صالح الرشيد بصحيفة الجزيرة الغراء يوم الأحد 4-8-1430هـ الذي أفاض فيه بالحديث ثناء عطرا على راحل يعتبر من أعمدة وأركان وزارة المعارف - وزارة التربية والتعليم الآن، إنه الأستاذ اللطيف عبدالرحمن بن صالح التونسي - تغمده الله بواسع رحمته - الذي كان مديراً عاماً لرعاية الشباب بوزارة المعارف، وأخيراً مديراً عاماً بمدارس الثغر النموذجية بجدة على درجة وكيل وزارة بعد الأستاذ الفاضل محمد فدا، ولقد أضفى عليه - أبو بسام - من الصفات الجميلة ما هو أهل لها، وهذا هو شأنه في كثير من المواقف المشرفة والمناسبات المتعددة بأسلوب رفيع المستوى، وقد طالنا نصيب وافر من ثنائه المبالغ فيه جداً على كلمات الرثاء والتأبين عبر صفحات هذه المطبوعة الغراء في 11 ربيع الأول لعام 1428هـ - هداه الله وأصلح عقبه - فأنا لا أرغب في الاطراء والمبالغة فيه، وإن كان الشاعر يصر على ذلك حيث يقول:

يهوى الثناء مبرز ومقصر

حب الثناء طبيعة الإنسان

ومن الطريف قول (أبو بسام) مداعباً لي: يا عبدالعزيز رثاؤك جميل وأريدك أن ترثيني فقلت بسم الله علي وعليك يا طيب القلب، ثم تم الاتفاق على رثاء الأول منا بعد غيابه عن الوجود - بعد عمر مديد - والواقع أن الأستاذ عبدالرحمن التونسي يعتبر من نوادر الرجال لطافة وخلقاً وعالياً، فالبشاشة والابتسامة لا تبرح محياه فلقد وهبه المولى حسن الخلق ورحابة الصدر مما جعل القلوب تميل إليه حباً واحتراماً، فمن كانت هذه صفته استعذب الناس ذكره حياً وغائباً، ولي معه بعض الذكريات الجميلة التي لا تغيب عن خاطري حيث بدأني بالتعرف قبل أن أسعد برؤيته حيث كلفني منتدبا بالعمل في المركز الصيفي عام 1384هـ بالمتوسطة الثانية بالرياض مساعداً لمديرها الراحل الأستاذ إبراهيم بن عبدالرحمن الفريح - رحمه الله -، فأوصاني ببذل ما أستطيع بالإشراف على أنشطة الطلبة، وتحبيب مزاولة الأنشطة العامة وتمييز الموهوبين منهم بالتشجيع، ومنحهم الشهادات والجوائز الرمزية كي يكون ذلك حافزاً لهم في تنمية مهاراتهم وإبداعاتهم الفنية والمسرحية والخطابية، فمردود ذلك ينفعهم في قابل أزمانهم الوظيفية والقيادية..، فالشباب هم عماد الوطن لأن مزاولة الأنشطة المختلفة تنمي الشخصية وتكسب الثقة في النفس، فكل تدريب مفيد له مردوده الفردي والجماعي، فالعلم نور والتدريب رافد وساند قوي..، ولله در الشاعر حيث يقول:

ألا إن ليل الجهل أَسودُ دامسُ

وإن نهار العلم أبيضُ شامسُ

وتشقى حياة ما لها من مدرب

وتشقى بلاد ليس فيها مدارسُ

فالأستاذ التونسي رئيس رعاية الشباب - رحمه الله - همه الأسمى صقل مواهب الشباب بشغل فراغهم بما ينفعهم ليكونوا لبنة صالحة في خدمة مليكهم ووطنهم الذي ينتظرهم، كما اقترح على صديقه ورفيق دربه معالي الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ وزير المعارف - آنذاك - عمل دورات تربوية لمديري مدارس المتوسطة والثانوية بمدينة الطائف على مستوى جميع مناطق المملكة، وقد تم ذلك بصيف عام 1386هـ برئاسته ومتابعة الوزير الشيخ حسن مدة 45 يوماً..، وقد انتدب لتلك الدورة الناجحة عدد كبير من المحاضرين من ذوي التخصصات المتنوعة من القطر المصري، ومن الأردن بل ومن الداخل..، وقد استهلت تلك الدورة بكلمة للأستاذ عبدالرحمن التونسي، وبكلمة ضافية لمعالي الشيخ وزير المعارف..، ثم أعقبه سعادة وكيل الوزارة الأستاذ عبدالوهاب عبدالواسع - رحم الله الجميع - ثم توالت المحاضرات.. حتى انتهى زمن الدورة، وقد نجحت تلك الدورة التي بلغ عدد الحاضرين من مديري المدارس ومعاهد المعلمين11 مديراً من أنحاء المملكة..، وفي أثناء تلك الدورة أقيم عدد من الرحلات في متنزهات الطائف وفي بعض بساتينها الغناء، وقد تخلل تلك الرحلات مطارحات شعرية وأحاديث شيقة، ومزاولة بعض النشاطات الرياضية في جو تآلف وتعارف، وأخيراً رحلة إلى جدة بوابة الحجاز لتسريح الطرف في أرجائها - والاستمتاع بتدافع الأمواج بشواطئها شواطئ (أبحر) حيث أمن لنا قاربين كبيرين جالا بنا في تلك الأبحر تكريماً منه - رحمه الله - لأولئك النخبة من مديري المدارس، ولقد أجاد وأبدع الشاعر الراحل أحمد العقيلي شاعر جازان في وصف تدافع الأمواج من قصيدة جميلة قالها في وصف بعض جزر (هاواي) أثناء زيارته لتلك الجزر نائية المحل إحدى ولايات أمريكا الشمالية:

تدافع الموج في تيارها مرحاً

تدافع الغيد في دل وإغراء!!

فعلى أي حال فإن نجاح تلك الدورة التي رعاها معالي الوزير الفاضل الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ، وبإدارة الأستاذ عبدالرحمن التونسي الحكيمة قد تركت في نفوسنا أجمل الذكريات معهما - رحمهما الله - ومع زملاء العمل الذين سعدنا بالتعرف عليهم عن قرب، وبتبادل الخبرات التي تساعد على حسن سير العمل التربوي وتقوية أواصر المحبة مع الجميع، هذا ولا يفوتني أن أكرر شكري وتقديري للأستاذ عبدالله بن صالح الرشيد الذي أتاح لي التعبير عن مشاعري عبر هذا المنبر..، نحو الأستاذ الراحل عبدالرحمن التونسي الحبيب إلى قلوبنا بهذه الكلمة الوجيزة التي تعتبر بمنزلة التأبين بأثر رجعي - رحمه الله رحمة واسعة - وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

بيت من الشعر:

إذا أنت أوليت الجميل لراحل

فذاك وفاء قدمته عباقره

- حريملاء


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد