اعتدنا في المملكة على غير ما جرت عليه عادة الآخرين أن نجعل احتفالنا باليوم الوطني للمملكة يوما نذكر فيه المنجزات والنجاحات التي تحققت في كل الأصعدة والقطاعات، وهذا أمر قل أن نجد له مثيلاً أو نموذجاً في دول أخرى والتي اعتادت التركيز على الشخصيات أكثر من الأفعال والمنجزات، ربما يكون ذلك نجاحاً يسجل لصالحنا لكن هنالك إشراقات عديدة تحتاج إلى أن نسلط عليها الأضواء تزامنا مع هذا اليوم المجيد، لعل أبرز هذه الجوانب ما يتعلق بقيام هذه الدولة المباركة انطلاقاً من قصة توحيد وتأسيس المملكة على يد المؤسس الفذ الملك عبدالعزيز رحمه الله، إذ تعد بذلك أحد أقدم الدول العربية في التأسيس والظهور على خريطة الجغرافيا السياسية الحديثة، ففي العام 1932م وهو التاريخ الذي أعلن فيه قيام الدولة السعودية الحديثة المملكة العربية السعودية كانت دول المنطقة ومعها دول كثيرة من دول العالم الثالث ترزح تحت كبت الاستعمار.
هنالك سبق آخر يحسب للمملكة العربية السعودية استطاع أن يؤثر بصورة مباشرة في التكوين السياسي، إذ إنها قد تكون الدولة العربية الوحيدة التي لم تخضع للاستعمار أو الاحتلال أو حتى لسلطة انتداب خارجية، ولهذا الأمر دلالة كبيرة على تاريخ المملكة وحاضرها، فالمملكة وعلى مدى الـ 79 عاماً الماضية شكلت واقعها بناء على خطاب سياسي مبني على تفاعل داخلي ذاتي لا يقوم على أي تجارب أخرى غير التجربة السعودية. وهذا الأمر هو ما يجعل من الواقع السعودي اليوم واقعاً فريداً في مكوناته وخصائصه وصفاته، يتفاعل مع التجارب الإنسانية والحضارية الأخرى باستقلالية ويقوم على التاريخ والثقافة الداخلية بعيداً عن التأثير الأجنبي القوي والمباشر.
ومن بين الأمور التي تحتاج إلى اهتمام متزايد في اليوم الوطني.. ذلك التفاعل والحراك الواضح الذي أخذ يتنامى في أوساط الأجيال الجديدة والمتمثلة في الفهم والتداول الواعي لحب الوطن والتعبير الواقعي والحقيقي القائم على خلفية تجربة غنية معتمدة على الذات، استطاعت أن تنجح حتى الآن في تشكيل نقلة حضارية لمجتمع بأكمله من حياة البادية والزراعة البدائية إلى حياة العمران والمدنية والتقنية وهي نقلة كبيرة لا تقوم اعتماداً على مظاهر العمران من بناء وطرق وتقدم تجاري وصناعي وتقني فقط بل يجاريها تطور موازٍ ومتوازن يقوم على القيم والمبادئ والمعرفة التي تشكل النقلة الثقافية في بناء الوعي العام للمجتمع والدولة، وهذا الأمر ميز التجربة السعودية وجعلها تحمل طابع التفرد والأصالة النابعة من تجربة ذاتية يشكلها أبناء الوطن أنفسهم.
اليوم ونحن نحتفل بذكرى اليوم الوطني للمملكة، علينا أن نعلّي من قيم الوطن ومعاني الوطنية الحقة، وكيفية إسهامنا كمواطنين في عمليات التطور والتنمية والحفاظ على المكتسبات العديدة المتمثلة في الاستقرار السياسي الذي وهبنا له العلي القدير وميزنا به على غيرنا من الكثير من الشعوب التي تعاني عدم الاستقرار السياسي ما يدخلها في صراعات متواصلة تأخذ منها نعماً كثيرة أهمها وأبرزها الأمن والتنمية. أيضاً علينا ونحن في مثل هذا اليوم المبارك والمهم في مسيرة بلادنا أن نقف جميعاً احتراماً وإجلالاً لقيادتنا الرشيدة التي جعلت هم الوطن والمواطن من أهم أولوياتها، فتفجر ذلك الاهتمام مشروعات تنموية ضخمة عمت القرى والحواضر، وكانت قد سبقتها مشروعات البنى التحتية العملاقة فتوفرت القطاعات الضرورية ليكون اقتصادنا ضمن أكبر 19 اقتصاداً في العالم، فأصبح للمواطن حق في العلاج والتعليم والسكن بل انتقلت إلى أبعد من ذلك فشملت المشاركة السياسية من خلال التطورات الهيكلية التي باتت تستوعب أكبر قدر من المواطنين المساهمين في الحراك وما يمكن أن نسميه ب( الهم العام) في الرفع من جودة القرار في كل مجال.
هذا وطن من حقه علينا أن نعمل على تعليته ورفعته عالياً مع النجوم عبر السهر لحفظ أمنه ومكتسباته، والسعي الجاد لتطويره والرفع من كفاءة مؤسساته والإسهام في بقاء شعبه رائداً وقائداً بقيمه المنطلقة من مبادئ وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف والعمل ليل نهار لبقاء تنميته واقتصاده دوماً متفرداً ومتعافى وفي المقدمة كما هو الآن.
وكيل جامعة الملك سعود للتطوير والجودة