Al Jazirah NewsPaper Thursday  15/10/2009 G Issue 13531
الخميس 26 شوال 1430   العدد  13531
عصامية التغلب على الإعاقة
محمد حمد البشيت

 

عالم الإعاقة عالم آخر، له حكايته ومأساته وصراع أفراده من أجل البقاء بالحياة، وهناك من نجح في التغلب على إعاقته, بعصامية وإصرار وطموح, وفق دراسة متأنية متأملة ومستفيضة تقوم على التدريب والعمل، وهذا كثيرا ما شاهدناه عند - المعاقين - ومنهم النوابغ الذين كانت بصائرهم النافذة الفذة هي التي خلقت لهم عوالم من العلوم والمعارف الإنسانية, مهما كانت مسببات الإعاقة.

إن الظلام الدامس والأيام الحالكة السواد في عيون من فقدوا نعمة البصر قد أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم بنعمة (البصيرة)، فكانت بصائرهم شموسا ساطعة حافلة بالعمل والتحصيل, وليالي مقمرة يأنسون بها في تحقيق رغباتهم, فأصبحوا بذلك منارات علم وعمل وشهرة قد تجاوزوا بها من يرفلون بنعمة البصر والبصيرة معا!!

هيلين كلر.. واحدة من اللواتي حرمن من نعمة البصر, ولدت في مدينة - توسكوسيا ولاية ألاباما الأمريكية, وهي من أصل ألماني، لم تولد - هيلين كلر - عمياء صماء بكماء، ولكن عند بلوغها تسعة عشر شهرا, أصيبت بمرض قال عنه الأطباء إنه (التهاب السحايا والحمى القرمزية) أفقدها السمع والبصر والكلام, مثلها كمثل - لورا بردجهام - وراغنهيلد كاتا النرويجية وغيرهن, اختير- لهيلين كلر - معلمة تدعى - آن سوليفان - وعمرها عشرون عاماً وقد أصبحت فيما بعد سكرتيرتها الخاصة قرابة خمسة وثلاثين عاما.

تعلمت هيلين كلر بداية طريقة لمس الشفاه وحناجر الآخرين عند الحديث معهم وطباعة الكلام على كفها، ومن ثم تعلمت طريقة برايل، فقد علمتها معلمتها - سوليفان - دراسة معمقة ومطولة في طريقة تعلم لغة العميان والصم والبكم.

في حياة هيلين كلر, هذه النابغة العمياء الصماء البكماء، محطات كثيرة مفعمة بالمعاناة والصبر والنجاح.. ففي معهد (كامبريدج) للبنات، كانت (سوليفان) تتأبط ذراع هيلين كلر, كل صباح لتنال نصيبها من التعليم، وتجلس معها داخل الفصل لتنقل لها المحاضرات بالطريقة المتفاهمة فيما بينهما، مثلما هي الحكاية مماثلة مع (سوزان طه حسين, وهي تقرأ له وتأخذ بيده الطريق وهو الطالب الكفيف بجامعة السربون, ومن ثم توج ذلك بالزواج).

تخرجت هيلين كلر من الجامعة ونالت شهادة البكالوريوس في العلوم، وهي في سن الرابعة والعشرين.. ثم انتسبت لكلية (رادكليف) لدراسة العلوم العليا فدرست النحو وأدب اللغة الإنجليزية كما درست اللغة الألمانية والفرنسية واللاتينية واليونانية، ثم حصلت على شهادة الدكتوراه في العلوم والدكتوراه في الفلسفة.

هيلين كلر, هي بمثابة معجزة تغلبت على كافة الصعاب التي اعترت طريق حياتها.. كرست جهدها بالجامعة للعمل من أجل المكفوفين وشاركت بالتعليم .. وكتبت مقالات وألفت كتبا كان منها كتاباها (أضواء في ظلامي) و(قصة حياتي) وتوفيت بعد عمر ناهز ثمانية وثمانين عاما في (1968م).

وصادفت الظروف أن تلتقي هيلين كلر, بطه حسين، حين كانت في زيارة لمصر, فيقول الكاتب (وديع فلسطين) في مقالة له بصحيفة الحياة العدد- 12043- ف 16-2- 1996م في شهر نيسان، أبريل عام 1952م زارت مصر العصامية الأمريكية (هيلين كلر) العمياء الصماء البكماء، بصحبة سكرتيرتها (آن سوليفان) نزلت في فندق سمير أميس القديم المطل على النيل فسعيت بدافع عملي الصحافي مع زملاء آخرين إلى لقاء هذه السيدة المعجزة التي استطاعت برغم فقدان ثلاث من حواسها أن تبتكر أسلوبا للتفاهم مع الناس, فتبسط راحة يدها على خد المتحدث وفمه وتدرك من تقلصات العضلات ما الذي قاله, ثم تقوم سكرتيرتها ببسط راحة يدها على فم هيلين كلر وخدها وتعرف بدورها من التقلصات ردها على المتحدث وتنقله إليه.. وحين كنت أجري حديثي معها للجريدة التي كنت أعمل بها, دخل علينا الدكتور طه حسين باشا, فلم تكن تلك الألقاب ألغيت بطربوشه التقليدي، متأبطا ذراع سكرتيره فريد شحاته, فأفسحت له مكانا بيني وبين هيلين كلر, وتطوعت بالترجمة بينهما لأن طه حسين يجيد الفرنسية دون الإنجليزية، والذي شكرني لأنني يسرت عليه مهمة التحدث مع هذه السيدة التي قالت عندما أطللنا على النيل من شرفة الفندق أنها ترى النيل، فلما سألناها كيف؟ أجابت أن الهواء المشبع ببخار ماء النيل الذي يهب علي رسم صورة للنهر في خيالي, ودعيت هيلين كلر، لإلقاء محاضرة في قاعة بورت التذكارية بالجامعة الأمريكية فحياها الجمهور بالتصفيق،وهنا انحنت إعرابا عن شكرها، ولما سئلت كيف أدركت أن الجمهور يصفق لك؟ أجابت عن طريق سكرتيرتها, التي كانت لسانها الناطق دائما- أدركت ذلك من اهتزاز أرضية المنصة التي أقف عليها!!

هذه هي هيلين كلر العصامية العمياء الصماء البكماء, التي استطاعت أن تتغلب على إعاقتها بالصبر على مواكبة الصعاب واتخاذ مكان مشرف لها ليس في بلدها فحسب وإنما في العالم أجمع، وقد جمعت شهادتي الدكتوراه ما بين العلوم والفلسفة!!



Bushait.m.h.l@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد