Al Jazirah NewsPaper Saturday  17/10/2009 G Issue 13533
السبت 28 شوال 1430   العدد  13533
نرحب بكم على الرحلة رقم...
أ. د. وسمية عبد المحسن المنصور

 

تكون منشغلا تربط حزام المقعد، وكثير من الهواجس تعصف بفكرك، تخشى أن تكون نسيت شيئا من لوازمك، أو لعلك متوتر فالرحلة قد تأخرت عن موعدها ولم يُبَالِ بشأنك أحد، أو لعلك متوجس من جارك في المقعد الذي لم تختره، فأنت تسافر منفردا وعقد شراء التذكرة لا يتيح لك اختيار من يجاورك، فالأمر مرهون بالصدفة البحتة وأنت وحظك.

قد يكون جارك ممن يُقَصِّرُ عليك الرحلة، ويُبعد عنك الهواجس، وقد يكون ثرثارا مملا أو فضوليا يخنقك بأسئلته عن أدق أمورك الشخصية، وقد يكون باهتا لا نافذة في شخصه المسكين يطل منها ضوء يمتعك.

في هذه الأثناء تتوالى الإذاعة الداخلية في الطائرة (نرحب بكم على الرحلة رقم..) وأنت لا تسمع جيدا لاشتداد صخب أصوات أفكارك، والعجب أن كل الطائرات تصاحب أصوات طاقمها نغمة تتمايز فيها الأصوات الخيشومية والأنفية فتحيل كل الأصوات إلى المخرج الخيشومي الأنفي وهو أمر وجدته مشتركا في الطيران العربي والأجنبي. وسمة أخرى يشتركون فيها وهي نطق مئة بالمد في الألف المرسومة خطا (مائة) عدا جوانب أخرى من اللحن الذي استفحل في هذا العصر.

فرضت الحياة العصرية مفاهيم جديدة للسفر ووسعت من مساحة مواسمه وأسباب دواعيه، وواكب ذلك معضلة ميزانية السفر من جهة والخوف من ركوب الطائرات من جهة أخرى.

إن هذا الهلع الإنساني المتمثل في الخوف من ركوب الطائرات يتفاوت عند الناس فبعضهم - ما شاء الله - محصن منه فلا يكترث للساعات التي يجلس فيها مقيدا إلى كرسيه، ولا يطوف في ذهنه أنه بين السماء والأرض، ولا تعتريه هواجس التشكيك أن الخطأ البشري وارد فقد تكون الصيانة سريعة فاتها التدقيق وقد تكون خبرة الطاقم قد شابها الجهل ببعض المجريات وقد وقد مما تشغل المسافر المقيد الذي إن كان حكيما سيطوي قلقه داخله وينكفئ على هواجسه ويشغل نفسه بالتسبيح والتهليل متأملا جاره الذي أغمض عينيه ودخل في نوم كأنما صاحبنا قد استدعى النوم من قوائم الوجبات السريعة فلباه في الحال، أما صاحبنا الآخر القلق فقد يتطور الأمر لديه إلى درجة الوسواس القهري وإذا ما كانت الرحلة طويلة كالرحلة إلى أوربا أو أمريكا فهو يحتاج إلى يومين بعد كل رحلة ذهابا وإيابا ليعيد التوازن إلى نفسه. وأعرف بعضهم الذي يقضي أجازته كاملة وهو ينغص على نفسه وعلى من حوله لأنه يعد الأيام متوجسا من يوم السفر الذي سيعود به، حقا يستحق أن نرحمه أكثر من أن نلومه ولا يعرف الشوق إلا من يكابده. أحد المقربين مني شخصيا يقول إن الطائرة اختراع غبي وله مبرراته التي أتفهمها وأوافقه على بعضها. فكيف النجاة؟ أيكون السفر برا؟ أهو نعمة أم نقمة؟

السفر جوا مكلف ماديا وعصبيا، فأسعار تذاكر الطيران في تصاعد لا يعرف الالتفات إلى الخلف، وكلنا يتساءل ما المبرر؟ ولا جواب غير ما استحدثته منظمة الأياتا بمسمى التأمين على الحوادث الإرهابية ثم أعقبتها بضريبة وقود الطائرات إلى جانب أنهم حملوا الراكب ضريبة مغادرة المطار مضافة إلى سعر التذكرة وهو أمر يطبق في أكثر مطارات العالم.

الخدمات الموازية تقلصت، أذكر قديما كان الركاب على الدرجة الأولى يحصلون على هدايا تذكارية وذلك على خطوط السفر الخارجية وإن كانت قصيرة، وعدد الكيلوات المسموح بها ناله حكم التخفيض فبعد أن كان المسموح به لراكب الدرجة الأولى 40 كيلا رسميا قابلة للارتفاع مجاملة بحدود 10 كيلوات نجد أن الرسمي أصبح 30 كيلا يتجوز معها بخمسة كيلوات فقط وبعض الخطوط الأجنبية لا تتهاون في نصف الكيلو زيادة. ورغم هذا فأنت غير آمن على الأمتعة التي تحققت من وزنها وتسلمت إيصالا بذلك يلصق على التذكرة خوفا من الضياع لكن هذا الإيصال لا يؤمن في حال فقدان أمتعتك أو تخلفها إلا مبلغا مقتطعا مقررا مهما كانت أمتعتك وقيمتها المادية الحقيقية فعليك أيها المسافر جوا أن تنتقي أرخص الملابس والحقائب فلن يخلف عليك في حال الضياع لا سمح الله أو التأخر إلا الإرهاق العصبي ورحلة غير مرجوة إلى مكاتب شركة الطيران تنفق في الوصول إليها قدرا مما خصصته لميزانية السفر فغالبا لن يخدمك الاتصال الهاتفي لأنه لا مجيب ولن يجديك نفعا البريد الإلكتروني، وليست كل الشركات تفتح لها فروعا في مدن متناثرة.

الأرض؛ كم هي جميلة عندما تلامسها عجلات الطائرة وأنت تتنفس الصعداء، وتحمد الله على سلامة الوصول فنحن من الأرض وإلى الأرض فلم التعلق بالسفر طيرانا لا نعلم مغبته.



Wasm50@gmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد