العنف مفهوم بارد مثل كل المفاهيم، يعبر عن حقيقة سيئة من حقائق الحياة التي يجب فهمها بدقة، إذ إنه لا يمكن تجنب مظاهرها، فالمشاحنات الشخصية أو الأسرية أو العنف في الشوارع والمدارس أو الجرائم الجنائية، تحدث في إطار مسيرة الحياة المعتادة، فالعنف سلوك إنساني مرتبط بالبشر أينما حلوا أو ارتحلوا، وما حدث مع ابني آدم عليه السلام (قابيل وهابيل) لم يكن إلا نموذجاً للعنف والصراع على الحياة انتهى بقتل قابيل لأخيه ولم يتمكن من دفنه ومواراة جسده التراب.
والعنف له العديد من المفاهيم والتعريفات الإجرائية، وأشهر التعريفات بأنه كل فعل يستخدم القوة لانتهاك الآخر بشكل مادي أو معنوي بحكم أن الفاعل قد يكون فرداً أو جماعة أو مؤسسة.
ويرتبط العنف ارتباطاً وثيقاً بالمحيط الاجتماعي المتمثل في منظومة العلاقات الاجتماعية التي يعيش في كنفها الأفراد والأطر الثقافية التي تحكم حركته وتنشئته وتفاعلاته، وكلمة المحيط الاجتماعي تكشف عن أربعة مستويات تحكم حركة الفرد، أولها المستوى البيئي، كالتلوث الهوائي والمائي والضوضاء وتكدس المكان بالسكان والزحام والبيئة السكنية الرديئة، والمستوى الثاني هم البشر، فالفرد يدخل في علاقات وتفاعلات في محيط أسرته، وفي الشارع وفي نطاق الجوار والمواصلات ومؤسسات العمل المتنوعة، وإذا تحرك عبر هذه المجالات أو الحقول فإنه قد يتعرض لصور من الأذى الفيزيقي أو المعنوي يأتيه من مستوى آخر من المحيط الاجتماعي، ألا وهو مستوى التفاعلات اليومية في شتى مناحي الحياة، أما المستوى الثالث فإنه يرتبط بالإطار الثقافي الذي يحكم تنشئة الفرد وحركته في الحياة الخاصة والعامة، أما المستوى الرابع والأخير فإنه يتصل بطبيعة النظام السياسي الذي قد يتشكل على نحو قهري تسلطي فيفرز صوراً مختلفة من الأذى أو الضرر النفسي والمادي.
بل إن الممارسات السياسية المختلفة، خصوصاً عندما يرتبط النظام السياسي بصور من الحروب الأهلية أو النزاعات بين الجماعات الفرعية، كل ذلك يفرض ضغوطاً يترتب عليها صوراً من الأذى المادي والمعنوي.
والحقيقة أن العنف لا يظهر من فراغ، وإنما هو لصيق بنية اجتماعية معينة، وهناك مجتمعات تعرف كل صور العنف، وذلك بسبب تفكك البنية الاجتماعية وتفسخ النظام السياسي وعدم قدرته على احتواء سكانه وعدم وجود أطر معيارية يجتمع عليها السكان.
وتتراوح الأطر المادية والمعنوية للعنف من الأضرار البسيطة إلى الأشد قوة وفقاً لطبيعة السلوك العنيف، فالحروب الأهلية والإرهاب وصور الجريمة المرتبطة بالقوة أو القتل جميعها تحدث أضراراً مادية باهظة الثمن ولكنّ ثمة أضراراً مادية تقل تكلفتها المعنوية بكثيرٍ عن هذا النوع من الأضرار، كالضرر المادي المترتب على الضرب أو المشاجرات البسيطة وعلى المنوال نفسه فإن الآثار النفسية والمعنوية المترتبة على العنف تتدرج من الآثار البسيطة إلى المركبة، حيث تتسم الآثار النفسية منها بالتعقيد الشديد، فالضرر المادي يمكن قياسه بسهولة وهو ضرر منظور، أما الضرر النفسي والمعنوي فيضعف قياسه، حيث إنه غير
منظور وقد يظهر في صورة ميول عدوانية، إلا أنه يبقى ذا طبيعة معقدة ويظهر تأثيره السلبي في مدى أوسع من الزمن.
- وزارة الداخلية
aalasem@hotmail.com