والدتك تُعنفك، وتزجرك، تنزوي مُنكسراً لاجئاً إلى نفسك أو إلى أحدهم تشكي قسوة تلك الحادثة والضرر طويل المدى الذي قد يجعل منك نسخة طبق الأصل (نخب أول) فتُكرر ذات الفعل مع أبنائك، لمن ليس لديهم أبناء قد يُمارس عليهم فعل الزجر مِن مَن يعلوهم منصباً، ويكررون نفس الحادثة مع مَن هم تحت إمرتهم، تلقائياً يُولد لدينا: أجيال ونسخ مُكررة ومُتقنة، كالأجيال السابقة تُستنسخ بقبيح فعلها وجميله، وقد ذُكر ذلك في القرآن الكريم، عندما سُئل المُشركين عن سبب عبادتهم للأصنام فتجد جوابهم وعذرهم في ذلك هو أقبح من ذنبهم الذي اقترفوه {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ}الآية.. عاداتنا بحاجة إلى أن نصقلها ونُصوبها إن كانت خاطئة، وإن كانت صحيحة نحتاج أن نُصيغها بأسلوب لطيف كي يتقبلها الجيل الجديد بكل سهولة، فهي وإن تكرر فعلها فلا يدل على صحتها!!، ولا حتى تناقلها من جيل إلى آخر يُعد حُجة على أنها فعل يتوجب علينا اتباعه، لذا علينا أن نفهم أن صدور أي فعل من شخص قد يعجبنا منطقه يحتمل الصحة والخطأ.
لا تدع العادات مجرد مُسمى يتبع دون أن تسبر أغوارها أو تغوص في أعماقها، وتعرف ضررها من نفعها كمن يتبع نهج النصح وإزالة المنكر بالتعنيف ويستدل بالقرآن على أنه يحث على هذه العبادة وكأن المنكر لا يمكن إزالته إلا بالعنف الذي نشأ وتربى عليه، كتعنيف الشخص الذي يؤدي الصلاة دون إحسان الوضوء، فلو روعي في تنبيهه حسن الكلام لتنبه واستقام. هنالك أسلوب وهنالك رقي والدين معاملة، {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}الآية، العادات والتقاليد صعب جداً تغييرها لكنها قابلة للتغيير، ولعلي أتذكر قصة قد مرت على مسمعي ذكرها الدكتور إبراهيم الفقي المحاضر والمدرب في التنمية البشرية، حيث يقول: كان هنالك طفل قد وضع نقوداً في آلة لبيع المشروبات الغازية، وجلس هذا الطفل يركل الآلة ويضربها بقدمه بعد أن وضع النقود كي تُخرج له مشروبه المفضل، هنا استفسرت منه (والحديث للدكتور إبراهيم) عن سبب هذا التصرف؟.. فأجابني الطفل: بأنه يجب أن تركل الآلة كي تُخرج لك العلبة!! هكذا كان يفعل أبي، فأخذ الدكتور النقود ووضعها في الآلة التي خرج منها المشروب مباشرة دون أي ركل أو ضرب، فنلحظ هنا أن الطفل اعتاد هذا التصرف، بناء على ما كان يفعله أبوه فهو ورث ورثه عن أبيه، وكذلك كثير من العادات ما هي إلا ورثٌ ورثناه كابراً عن كابر.
ممارسة الصلاحيات أو جزء من الصلاحيات قد تكون دافعاً لبعض التصرفات الحمقاء
نجد أن العديد ممن يتقلدون المناصب قد صنعوا أنظمة وبروتوكولات لتسهيل وتيسير أمور الناس (يزعمون)، وتلك ليست سوى عادة مفتعلة كي يشعر مالك المنصب بذاته.. ولعل من أجمل ما يذكر في هذا الموضوع من القصص القديمة قصة سلطان الأباريق، فهي أنسب لزماننا ولكونها مليئة بالعبر. يُحكى أنه في قديم الزمان يوجد حمام (أعزكم الله)، ويُشرف عليه حارس أمين يرعى ويحفظ الأباريق كي لا تُسرق، وكلُ من أراد قضاء حاجته بالحمام يأخذ إبريقاً من الأباريق يستخدمه ثم يعيده إلى الحارس بعد الفراغ منه، وذات مرة أتى أحدهم مُسرعاً وأخذ إبريقاً واتجه نحو الحمام، فصرخ فيه حارس الأباريق وأمره أن يترك هذا الإبريق ويأخذ الآخر مكانه، ولكون الرجل على عجلة من أمره استجاب دون أي ممانعة أو تردد، وبعد أن فرغ من قضاء حاجته (أكرمكم الله) استفهم الرجل من الحارس عن سبب فعله؟.. رغم عدم وجود أي فوارق بين الإبريقين!!، فكان الجواب التالي من الحارس الأمين، قال: لا فرق بين الإبريقين، (ولكن هذه هي وظيفتي) أي: أن حارس الأباريق أراد إثبات ذاته ووجوده ليس إلا، فأوجد نظاماً ليس لحفظ النظام، بل لحفظ اسمه. فلكل زمان ومكان سلطان أباريق يسعى لإثبات ذاته، مثل ذلك عندما تجلس في مجلس تجد هناك من يتفرد بالحديث فيه، فالبدء والانتهاء منه وإليه فهو سلطان المجلس، وقس عليه ما يمارس في بعض البيوت من انفراد الأبناء بالرأي دون البنات، والأمثلة كثيرة كثيرة.
إثبات الذات بين الثقة والتهجم والإقصاء
الفرق واضح بيّن ما بين الشخص الواثق من نفسه والذي يتمكن من إيصال أفكاره بواسطة كلماته وأفعاله، حيث يتقبله المُجتمع بكل رحابة صدر، فهو لا يُخفي نواياه بل هي واضحة وضوح الشمس، أما من كان ديدنه التهجم والاقصاء فهو يمارس فرض الذات عليك حيث تراه يُجبرك أثناء حديثه على قبول رأيه، وإن كان مخالفاً لرأيك ومن هذه سجيته دائماً ما ينهي كلامه بهذا الاستفهام: (صح كلامي ولا لا؟)، وليس لك إلا أن تقبل وتقول: صح! وإياك أن تعترض.
إضاءة
قال الله عز وجل:
{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.. الآية.
anootherface@gmail.com