تنمو شعوب الأمم بنمو تطور علومها ومعارفها، مستوحية ذلك كله من استخدام (التكنولوجيا) الحديثة التي ترتقي بمستوى الإنسان، من خلال القراءة والتبحر في المباحث العلمية والأدبية التي تعزّز من قوة ومهارة الإنسان في تكريس معطياته وتعاطيه في فنون العلوم الحديثة، متى كان ذلك ؟! كان للحياة معنى وقيمة في استثمار الوقت .. فالعلم هو أساس حياة ناهضة متى توفر للمرء مناخ الحرية الملازمة ملازمة كلية للخلق والإبداع.
وهذا ما نشاهده في العالم المتحضر الذي بنى حضارته الزاهرة من خلال المطالعة والبحوث العلمية التي ينتهجها في كافة أموره الصناعية، من الابتكارات والاختراعات العلمية الحديثة، التي جعلت العالم أشبه ب(القرية الكونية)، وذلك شيء مرئي وملموس وهو النتاج الفعّال والجم في الدول الغربية والأوربية، التي استخدمت (العلم) وتفوّقت به علينا, بينما نصف هذا العلم الذي تعلموا منه وعملوا به هو محصلة (علوم عربية) المنشأ والولادة، وهذا ما يؤكده الكثير من العلماء والبحّاثة العرب، ولكنهم استخدموا (التفكير) السليم والإبحار في كنوز العلوم العربية الضائعة إن لم تكن المهملة التي عجز (العرب) قاطبة عن تطوير مفاهيمهم العلمية واستثمار علومهم, التي أتت إليهم وفق أساليب علمية مصاغة صياغة حديثة كانت التكنولوجيا هي العنصر الفعّال في قولبة الاحتياجات الأساسية الهامة في الحياة, وهذا ما جعل العرب بأمس الحاجة لها لكي يستجدوها من الغرب!!
فإذا تمعّنا في أحوالنا العربية عامة، نرى أنّ حالنا يائسة وبائسة وتستدعي الرثاء نتيجة الخمول والجمود والحسد والغيرة والتطاحن على المصالح الذاتية، وخلق بؤر العداوة والبغضاء والصراع فيما بين بعضنا البعض, ففي إهمالنا وتأخرنا من الاستفادة من علومنا الضائعة .. تم وصمنا بالعالم (الثالث) وإن شئت فقل العالم الهائم، الذي يهيم بهذه الحياة، وهو الطارد للأدمغة العربية المهاجرة علماً وأدباً التي اتخذت من الغرب مقراً لها، وهيئت لهم المغريات والحوافز الجمة, نظير ما يقدموه من أعمال عظيمة لها, كان حرياً بدولهم استثمار طاقاتهم الإبداعية.
ولعلّني لا أذهب بعيداً, ولا أكون متشائماً, حين أرى أحوالنا العربية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم, يأتي ذلك من واقع مشاهداتي وانطباعاتي فيما رأيته في بلدان عربية كانت سمة اللهو والضياع في هدر (الوقت) هي سمة شعوبها, وكأنّ بعض (ساسة) هذه الدول يكرسون في أدمغة الأجيال الناشئة في شعوبهم الغباء والتراخي والبلادة، وقد تركتهم على مرافئ الضياع .. لا وظائف لهم ولا جامعات تقبل بهم نتيجة الشروط التعجيزية, وإن قبلت فالقبول كفل للمحسوبية وأولاد الذوات .. لذلك ترى الكثير من الشباب الذين يعدون بالآلاف في الوطن العربي, كأنه في حالة (خدر مريح) يقتل الوقت في - المقاهي - في تناول - المعسلات ولعب - البلوت - وطاولات - الزهر- والثرثرة بالجوالات وتصفح البعض منهم ل(اليوتيب) نحو الدردشة والاستماع للأغاني، المصحوبة بالسهر طوال الليل والنوم بالنهار .. وإذ ألتمس لهم العذر, فماذا باستطاعتهم أن يفعلوا غير ذلك, وقد توقف التعليم لدى الكثير منهم عند المرحلة الثانوية أو الجامعية, ولا هناك مستقبل لهم في المنظور القريب .. وهذا مما شكّل نسبة ارتفاع الجريمة في الوطن العربي، نتيجة قلة الأعمال وارتفاع نسب معدّل البطالة بشكل مخيف!! .. يأتي ذلك لسوء التخطيط وانتهاج سياسة التعليم الخاطئة في الوطن العربي، فالجامعات والكليات يتخرّج منها الملايين سنوياً بالوطن العربي، ويكون مصيرهم - الشارع - فلا هناك خطط علمية عملية مدروسة في احتواء هؤلاء الخريجين، ليتم إعدادهم في تدريبهم بالمصانع والشركات، والمستشفيات، فالكلية والجامعة يجب أن يكون ملازمة لها المصانع ومعامل التقنية الحديثة التي تطوّع هذه الطاقات الشبابية، وتجعلها عنصراً فعالاً يساهم في سد احتياجات أسواق العمل العربية .. فالعمل عبادة وصقل للمواهب، واستيعاب شبابنا بالوطن العربي, مصدر فخر لأوطانهم, لتكون أمة عربية منتجة تستفيد وتفيد, من مواكبة عصر العلوم الحديثة, التي يفرضها علينا الواقع الراهن في احتياجنا لها من صناعة الإبرة إلى الطائرة!!
وأستدرك وأقول إنّ (الوقت) هو العنصر الأهم في كيفية استثماره .. وهذا ما سبق به الغرب العرب، فإنّ القراءة هي ديدن شعوبه, ولعلِّي كغيري شاهدت الكثير منهم بالقطار والطائرة وعلى المقاعد في المنتزهات, تشاهد أحدهم وهو مستغرق في كتابه أو صحيفته التي لا تفارق يده، ولا يزوغ عنها نظره حتى لو اقتربت منه وجلست لجانبه، فهو مأخوذ بعالمه القرائي, وهذا ما جعل حياتهم حافلة بالعمل والإنتاجية من خلال فن الاستفادة في استخدام - التكنولوجيا - في علومهم ومعارفهم وصناعاتهم المتعددة .. بينما نحن العرب استخدمنا - التكنولوجيا - فيما يضرنا في إعلامنا المرئي والمقروء والمسموع .. ناهيكم عن جرائم (الإنترنت) والذي برع به أبناء يعرب في أذية الآخرين .. أما فيما يفيد ويقيم أود علمنا ويصلح من أحوالنا العربية هو استغلال الوقت في القراءة والاطلاع، والتمعن في أحوال مجتمعاتنا العربية ومدى احتياجاتها الأساسية من علوم العصر الحديث, عصر التكنولوجيا واختراعاتها وابتكاراتها .. والالتزام كلية في حسن إدارة الوقت في كافة شؤوننا وعدم التفريط به .. فالعرب عامة يحبون ويأنسون في ضياع أوقاتهم باللهو والثرثرة المضرة، والتي أحياناً تكون شر وبال علينا كالسهام النبال، في الذم والقدح وهي مآل تأخرنا وتخلفنا، وسر بقائنا لكي نستجدي العالم، في تسويق بضائعه لنا .. ونفاخر في اقتناء صناعاتهم، فهل هناك من تقدم علمي وعملي في مضاهاة - علوم - الغرب - لكي نسترد ولو بعض تراثنا وميراثنا، من علوم عربية وعلماء عرب يتوقون للعمل في بلدانهم بين أهلهم وناسهم، ويخدمون أوطانهم التي تحتم الضرورة القصوى تواجدهم .. حين تكون بلدانهم راغبة وناشدة وكافلة لهم تهيئة أجواء حرية الإبداع، في مفازات خصبة وسهله وميسرة لهم!!.
Bushait.m.h.l@hotmail.com