في ربيع عام 2007 زرت مدينة عنيزة بعد غياب سنوات طويلة بسبب ظروف الحياة والعمل وغيرها.
كان الشيء الأول والأهم هو زيارة البيت الطيني الذي ولدت فيه وعشت الكثير من طفولتي بين جدرانه وساحاته.. ومع أنني كنت أعرف أن البيت بل الحي كله قد هدم إلا أن المفاجأة كانت أكثر من أن استوعبها.
ففي أحد الصباحات ذهبت مع أحد أقربائي ووقف يريني ما بقي من الأطلال. كانت المأساة أنه لم تكن هناك أطلال ولا آثار للبيت ولا للشوارع الضيقة ولا حتى للحي.
وقفت كالمذهول أسأل أين خالتي؟ وأين ذهب هذا؟ وأين ذلك البيت؟! وأين السوق الصغيرة؟ أين المسجد؟ لم يكن عنده غير إجابة واحدة: هدمت، هدمت.
لقد تحول المكان إلى مجرد بقعة إسفلتية سوداء كبيرة تدعى مواقف سيارات. كأن
سواد الإسفلت هو الذي تلقى عزائي برحيل بيت الطفولة والولادة الأول.
كانت النخيل ورائي كأنها تقول: أنا باقية والطين ذهب.. لكنها في الواقع لم تمنع دموعي التي احتشدت في عيني من أن أذق طعم ملوحتها وهي متناثرة على خدي.
ذكرتني تلك الدموع بدموع أخرى ذرفتها على غياب بيتنا الكبير في المنامة الذي تحول هو الآخر إلى موقف سيارات.. وقتها كان ذلك البيت مكاناً آخر للطفولة والصبا والكثير من اللهو الذي راح بسهولة، وبقيت ذكرياته عصية على النسيان.
هو الآخر لم يبق أطلالاً ولم يترك آثاراً كي نعرفها، كل ما تركه هو مكان خلاء مملوءة أرضه بالإسفلت الأسود يتحدث لنا عن تقدم مزعوم في المدن.
أية فاجعة وأي حزن وأية مأساة تحل بك وأنت تذهب إلى بيتك القديم منزل الطفولة والصبا ومكان اللهو واللعب والأحلام الجميلة وتجده قد اختفى تماماً وتحول إلى مكان إسفلتي أسود قبيح تحتشد فيه عشرات السيارات.
عندما نمر على بيوتنا القديمة التي هدمها التطور المزعوم نسأل بحنين جارف: أين ذهبت غرفنا الكبيرة والنوافذ الملونة والحوش وشجرة الكنار والنخيل وملاعب الطفولة والأسطح الكبيرة؟
كلها اختفت أو كادت والمزيد والكثير بانتظار قرارات الإعدام والإزالة والهدم فلا رحمة تستحقها تلك البيوت القديمة ولا فكرة تطرأ على أحد بالترميم واحترام هذا المعمار الجميل.