Al Jazirah NewsPaper Sunday  01/11/2009 G Issue 13548
الأحد 13 ذو القعدة 1430   العدد  13548
استرقاق البيض في التاريخ الأمريكي

 

اسم الكتاب:.......... White Cargo

المؤلف: Don Jordan الجزيرة.............

Michael Walsh

الناشر: NYU press....................

تشير المعلومات المستقاة من الخطابات والمجلات المعاصرة وسجلات المحاكم إلى أن الوحشية التي ارتبطت بمعاملة الرقيق السود لقرون طويلة لحقت أيضا ببعض البيض، وفي هذا الكتاب يورد مؤلفاه قصص آلاف البيض الذين عاشوا في الأسر في المستعمرات البريطانية الأمريكية.

فمن المتعارف عليه في تاريخ الاسترقاق في الولايات المتحدة أن معاملة الرقيق البيض من المستقدمين للبلاد كانت طيبة وحميمة، وكان من يستقدمهم يحسن معاملتهم عادة، وبمقتضى ذلك كان المهاجرون من المستعمرات يقضون سنوات قليلة في العمل ثم تتحسن أحوالهم فيما بعد. وبمرور الزمن صار نظام الرق يسري على فئة من البيض كما كان يسري على السود. ويقول مؤلفا هذا الكتاب: إن هذه الفئة هي الفئة هي الفئة التي كانت تنتمي للمذنبين الذين أرسلوا إلى أمريكا بدلا من قضاء فترات حكمهم في بريطانيا، حيث لم تكن هذه العمالة المقيدة تتمتع بقدر يذكر من الحرية في المستعمرات البريطانية، وكانت أوضاعهم ترسم صورة لأمريكا في ذلك الوقت في شكل معتقلات ومعسكرات عمل.

ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر تم شحن أكثر من ثلاثمائة ألف فرد من البيض إلى الولايات المتحدة بصفتهم من الرقيق، وكان بعضهم يلقى في حقول التبغ مثل الحثالة، حيث لم يكن يتوقع منهم العيش لأكثر من عامين بينما كان بعضهم الآخر يلقون في بيوت الدعارة في فيرجينيا، دون أن يدركوا أنهم تحولوا إلى شكل من أشكال الممتلكات الشخصية. وكان بعض هؤلاء ينقلون من مكان لآخر ويعرضون للبيع كالدواب، ما يعني أن صور العبودية التي تعرض لها السود كان هناك ما يماثلها بين البيض. وقد انتهت هذه التجارة مع استقلال الأمريكيين إلا أن البريطانيين ظلوا يبيعون المدانين في مستعمراتهم السابقة، وكان ذلك من أبرز القضايا في التاريخ الإنجليزي الأمريكي.

تلك كانت ملحمة استرقاق البيض التي استمرت مائة وسبعين عاما، مستترة تحت ما نعلمه ونتذكره عن تجارة الرقيق بين السود، ولذلك فإن هذا الكتاب يبرز إلى السطح جانبا غير مطروق من جوانب تاريخ الاسترقاق.

ويدعم هذا الكتاب روايته عن استرقاق البيض بالكثير من الوثائق، ورغم ذلك نجح المؤلفان في تقديم صورة غير جافة أو محض أكاديمية لموضوع الكتاب. والرق في نظر المؤلفين، سواء كان للسود أو البيض متجذر الأصول في التاريخ الأمريكي، وعلى الرغم من ذلك يتحاشى المؤلفان الربط بين هذا الموضوع وأي أحداث تجرى في هذه الأيام، فيما عدا تذكير القراء بوجود عشرات الملايين من الذين تنتمي أصولهم إلى الأرقاء البيض دون أن يكون لديهم أي فكرة بهذا على الإطلاق.

ومن الملاحظ أن المؤلفين يعيدان استكشاف أحداث لا يمكن أن يجد رواجا كبيرا أو استحسانا ضمن كتب التاريخ الأمريكي. وعلى الرغم من أن فكرة استرقاق البيض ليس جديدا، حيث تطرق لها من قبل مؤلفون آخرون، فإنه عرض هذا الكتاب يتسم بالتشويق وسهولة التناول والسرد التاريخي. ويوضح المؤلفان بشكل كبير الأصل الاجتماعي الاقتصادي للأمريكيين الأوائل، ويركزان بشكل كبير على أعمال نقل المجرمين إلى المستعمرات الأمريكية، واستغلال القوانين الاستعمارية الأمريكية لإفساح المجال للمعاملة القاسية بأسلوب لم يسبق له مثيل. وكان الغرض الأساسي من الأنشطة الاستعمارية استكشاف تلك المناطق الاستعمارية والعمل على تحقيق أكبر ربح ممكن. وكان معظم الملاك هناك من قادة الجيش السابقين الذين عملوا مع أوليفر كرومويل الشهير بتوجهاته العرقية التي أدت به إلى العمل على إبادة الكاثوليك الأيرلنديين، ولأنهم ينتسبون إلى خلفية ترجع إلى تجار لندن الأثرياء، فإن هؤلاء الجنود المتقاعدين نجحوا في جني أرباح مهولة لعدد من القرون، ويبدو الفارق بين المعاملة التي كان يتلقاها الأرقاء السود ومعاملة الأرقاء البيض، كما لو كان غير واضح أو مشوش، ويعزي المؤلفان ذلك إلى أن القوانين لم تكن واضحة فيما يتعلق بهذا الأمر، بالإضافة إلى أن المحاكم الاستعمارية كانت تجامل الطبقة العليا على حساب الأرقاء. ويورد المؤلفان صورا مذهلة لكيفية التعامل مع الرقيق الأنجلوأمريكان.

فقد نقلت أعدادا كبيرة من المجرمين البيض إلى أمريكا، وخاصة فرجينيا، ضد إرادتهم، وإذا كانت الأعداد التي توردها كتب التاريخ صحيحة فإن ذلك يعني أن الغالبية العظمى من الأمريكيين البيض الذين تعود جذورهم العائلية إلى وسط الأطلنطي ينحدرون في الواقع من الأرقاء البيض، ولذلك فإن الحقائق التي يطرحها هذا الكتاب يمثل شكلا من أشكال التحدي للكثير من الحقائق المدروسة عن الأرقاء البيض، حيث يقدم المؤلفان بحثا متعمقا ودقيقا عن هؤلاء الأرقاء، كما يقدمان الكثير من الحقائق التي يتعرف عليها القارئ لأول مرة، ومنها على سبيل المثال أن الأرقاء الأمريكيين السود الأوائل الذين يعود تاريخهم إلى عام 1619 كانوا في الأصل من أسرى الحرب، وأن البريطانيين اختطفوهم في سفن برتغالية خاصة بالرقيق، حيث كان البرتغاليون في ذلك الوقت يثيرون حربا استعمارية في مملكة الكونغو بأفريقيا. ولكن هذا الموضوع المختص بالأرقاء البيض تم إخفاؤه تماما في التاريخ الأوربي، ويرى أحد المفكرين الفرنسيين، وهو جابريل ديبيان، أن هؤلاء الأرقاء البيض كانوا أساسا لاسترقاق السود، حيث أغرت رؤوس المال الناتجة من تشغيل البيض تجار الرقيق الفرنسيين على تدمير أفريقيا.

لذا ينصح بقراءة هذا الكتاب كل من كان له اهتمام بتاريخ الرق والعبودية في العالم الجديد، حيث كان ذلك آخر شكل من أشكال الرق في العالم الحديث. ويصف المؤلفان الظروف التي أدت إلى استرقاق السود. فالسود الأوائل بالولايات المتحدة لم تتعد معاملتهم لكونهم من الخدم المستقدمين حتى وصل بهم الحال إلى أن أصبحوا من الأرقاء، ويمتلئ هذا الكتاب بالحقائق الخاصة بجذور هذا الموضوع.

ويرى النقاد أن طريقة تناول هذا الكتاب لأصل الرق الأبيض فيه تجاهل للقانون، حيث يرى هؤلاء النقاد أن أصولهم تعود إلى المذنبين الذين صدر بحقهم حكم بالإعدام، وحتى يحين ميعاد تطبيق الحكم عليهم كانوا يعتبرون من الأرقاء الذين لا حكم لهم على أنفسهم، وقد يصدر العفو عنهم من الإعدام لكي يظلوا من الرقيق، غير أن القانون يفرق جيدا بين الأرقاء المستقدمين وبين المذنبين الذين ينتظرون حكم الإعدام، أو الذين حصلوا على هذا العفو في مقابل الرق.

ويرى النقاد أن هذا الخلط والتشوش سببه أن المؤلفين يطبقان التحليل الماركسي الذي يرى أن القانون وضع لخدمة الطبقة الحاكمة وأن كل ما يقدمه كأحكام للقانون ليست سوى قناع لتغطية التمييز الطبقي. ويخلص الكتاب إلى أن التسليم بحكم القانون هو الأفضل دون شك، ومن الواجب أن يأخذه الجميع مأخذ الجد. فالكتاب إذن يمثل وجهة نظر جديدة إلى موضوع قديم جدا بشكل يذهل كل من يقرأه من المهتمين بالأمر.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد